فهرس الكتاب

الصفحة 2560 من 23694

كذلك لما ازدادت مكانة الحديد باستغلال مناجمه في الأرض انتقلت قدسية الحديد السماوي إلى الحديد الأرضي وتسربت بالتدرج إلى المناجم والفلزات عامة بل انتقلت إلى معالج الحديد نفسه وهو الحداد الذي ينتقل من مكان إلى آخر يتحرى في تنقله هذا الفلز ويقوم بأداء طلبات شتى يكلفه إياها الناس.. وثمة علاقات متعددة وغريبة نشأت بين كور الحداد والحداد نفسه والسحر وحرفة الحدادة المسيطرة على النار والجمعيات السرية. وكذلك العمل في المناجم والتعدين ذوا صلة بالأرض الأم وبمسألة التوليد.

وأيًَّا كان الأمر فلا شك أن للحديد سماويًا وأرضيًا شأنًا يتسم بالتقديس لبأسه ولمنافعه الواسعة في الحياة ولإنشائه حضارة جديدة هي حضارة الحديد. إنه أداة طيعة في معالجة الأرض وشقها وأداة صالحة للتغلب على الخصوم والقضاء على الشر. وهو في الوقت نفسه يحمي من بأس الآخرين ويمنع بالدرع والخوذة آثار وقع السهام والسيوف. وقد قالت العرب: لا يفل الحديد إلا الحديد، ولا يفلح الحديد إلا بالحديد، وإن الحديد بالحديد يفلح. ومن أعاجيب اللغة العربية وأسرارها الخفية أنها اشتقت الحديد والحد من أصل واحد.

جاء في"معجم مقاييس اللغة"لأحمد بن فارس:"الحاء والدال أصلان: إلى الأول المنع والثاني طرف الشيء". هكذا ورد في المعجم. وعندنا هما أصل واحد لأن الثاني يرجع الأول. وقد جاء في المعجم نفسه:"فالحد الحاجز بين الشيئين أي لكل منهما طرف يفصل عن الآخر ويمنع منه". فاستعمل المؤلف في شرح الأصل الثاني معنى الأصل الأول الذي هو المنع. وجاء في المعجم أيضًا"ويقال للبواب حداد لمنعه الناس من الدخول"أي يمنع تجاوز طرف المكان. ويستشهد أحمد بن فارس في الحد والمنع بقول النابغة:

إلا سليمان إذ قال المليك له

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت