إن استعمال حديد الآثار العلوية كان ضئيلًا ونادرًا جدًا. ولذلك كان أهم عند الإنسان القديم من الذهب كما قلنا آنفًا. وكان استعماله متلبسًا بالقداسة. ولم يكن ذلك الاستعمال كافيًا لكي يهيئ ما يدعى بالعصر الحديدي الذي هو المرحلة الثالثة من مراحل تقدم الحضارة في عصور ما قبل التاريخ. فالمرحلة الأولى العصر الحجري والمرحلة الثانية العصر الصفري أو البرونزي. وقد اتخذ الإنسان حديد السماء أداة صالحة له حين عثر عليه في غضون ذينك العصرين الأول والثاني دون أن يكون ذلك شائعًا شيوعًا يجعله مختصًا بأحدهما.
كان ينبغي للإنسان أن يعثر على طريقة صهر الفلزات لكي تلوح غرة عصر جديد هو عصر المعادن والحديد. ولما استطاع الإنسان معالجة الحديد الذي في الأرض وتعدينه انتشر التعدين إذ غدا الإنسان يجد مقادير كثيرة من حجارة الحديد وفلزاته كحجارة الحديد الدموية (نسبة إلى اللون) والحديد المغناطيسي وقد سبقت الإشارة إليها فيصهرها بالأفران ويوصل درجة حرارتها إلى الاحمرار الأبيض من أجل تقسية الحديد لكي يرأس تعدينه تعدين بقية المعادن المعروفة إذ ذاك كالنحاس والصفر (هو خليطه أو إشابة تتألف من النحاس والقصدير) ويقدر الباحثون بداءة ذلك العهد حوالي 1200-1000 سنة قبل الميلاد، مع أن الحديد السماوي والحديد المصادف على طبقات الأرض السطحية قد عرفا منذ الألف الثالث قبل الميلاد في بلاد ما بين النهرين (في تل أسمر وتل شفر بازار وماري) وفي الأناضول (الأكهيوك) . واستمرت معالجة الحديد على غرار معالجة الصفر حقبة كما استمرت معالجة الصفر قبل ذلك حقبة على غرار معالجة الأحجار.
بقي الحديد مدة طويلة في ذلك العصر يتخذ تمائم وتماثيل وأدوات زينة ذوات صفة قدسية. ثم لما أن جاء عصر المعادن والحديد لبث الحديد نفسه ذا قيمة معنوية قبل أن يستفحل أمره ويعلو شأنه في الصناعة والحرب وقبل أن تغيّر مواضع استعماله الواسعة المتعددة وجه المعمورة.