وإذا كانت تعدية (حزن) و (أسف) باللام قد تؤدي مؤدى تعديتها بعلى إذا ذكر الأمر الذي كان الحزن أو الأسف لفقده أو فَوْته، فليس الحال كذلك إذا ذكر الإنسان الذي كان مصدر الحزن وموضع الأسف، فقولك (حزنت على الرجل) شيء، و (حزنت له) شيء آخر. فـ (حزنت لفلان) بمعنى رققت له وعطفت، وهو غير حزنت عليه، فانظر إلى ما حكاه الراغب في محاضرات الأدباء (4/508) :
(ولما مات ذرُّ بن عمر بن ذرّ، قام أبوه على قبره فقال: يا ذرّ شَغَلنا الحزنُ لك عن الحزن عليك... اللهم أنك قد ألزمته طاعتك وطاعتي، فإني قد وهبت له ما قصر فيه من حقي، فهبْ لي ما قصر فيه من طاعتك. اللهم ما وعدتني من الأجر على مصيبتي به فقد وهبته له، فهب لي من فضلك..) . فكأن حزنك على الرجل توجع عليه وجزع، فهو انفعال ليس غير، أما حزنك له فهو رثاء لحاله وعطف عليه واهتمام بأمره، فهو انفعال وفعل. وقد جاء في الأساس: (هؤلاء حزانتك أي أهلك الذين تتحزن لهم وتهتم بأمورهم) ، وتحزّن في الأصل صار حزينًا. وليس كذلك حزنت لفقده وعلى فقده، فإن اللام هاهنا في موضع على كما قال المرزوقي.
وفي اللغة: (أسي عليه إذا حزن) ، قال الفيومي: (وأسي أسى من باب حزن فهو أسِيّ مثل حزين) . فأنت تقول: (أسيت عليه كحزنت) ، لكنك تقول أيضًا: (أسيت للرجل إذا حزنت له أي رققت له فشُغلت بأمره) . فانظر إلى ما حكاه الراغب في المحاضرات (4/516) : (قال الموسوي: يموت قوم ولا يأسى لهم أحد: وواحد موته همّ لأقوام) . فكأن فحواه: يموت قوم فلا يهتم لموتهم أحد، ويقضي فرد فيهتم لموته أقوام.
وانظر إلى قول قراد بن سُلمِي بن ربيعة:
أولئك لو جزعت لهم لكانوا