وشيء آخر لابد من التنبيه عليه. فقد عرّف المعجم الوسيط والمعجم الكبير (أسِف) ، فلم يأت تعريفهما جامعًا مانعًا كما يقول أصحاب المنطق، وهما معجمان حديثان أشرف على تأليفهما المجمع القاهري. فقد جاء فيهما (أسف له: تألم وتندم) ، وهو تعريف فيه من القصد والإجمال ما يوجب اللبس، فإذا قلت (أسفت للأمر، تألمت وتندمت) لم يسغ قولك دومًا، وإذا قلت (أسفت للرجل: تالمت وتندمت) ، أشكل كلامك أيضًا، وإلا أفيصح قولك مثلًا (أسفت لفلان أو أسفت لفراقه: تندمت) ؟ ذلك أن (التندم) لا يتأتى إلا من عمل قام به الآسف نفسه، تقول: (أسفت لما فرط مني أي تندمت) ، قال ابن القوطية: (ندم ندمًا وندامة كره ما فعله) لا (ما فعله سواه) ! ففي كل (تندم) أسف أي حزن، وليس في كل (أسف) تندم، ومن هنا كانت نصوص المعاجم (الندم: الأسف) كما نقلناه لك عن الأفصاح والمتن، لا العكس.
ولنعد إلى ما كنا عليه وبسبيله من الكلام على قياس استعمال (اللام) فيما جعلت له، قياسًا لا ينكسر، فأنت تقول (صبرت على البلاء واصطبرت) ولكنك تقول أيضًا (صبرت لما أصابني منه واصطبرت) ، قالت امرأة من بني عامر:
سيتركها قوم ويصلَى بحرِّها
قال أبو علي المرزوقي في شرح هذا البيت (749) : (وقد تعود الثكل أماتُهم، فلا يجزعن لقتلهم، وألِفَ الأيْمةَ نساؤهم فلا يحزن لموتهم. ومعنى للثكَل: من أجله) . وأردف: (وهذه اللام في هذا الموضع قد تؤدي معنى على فاعلمه) . وانظر إلى قول المرزوقي (989) : (ولا شيء من أعلاق المُنى يُحزن له إذا أفيت [1] ) . ... أعز علي من أهلي ومالي