وهكذا تقول: (أعاونهم على إنشائها، وأساعدهم على إدارة شؤونها) على التعدية السماعية، ولكنك تقول قياسًا: (أعاونهم في إنشائها وأساعدهم في إدارة شؤونها) و (في) ها هنا للظرفية المجازية، وتخريج الكلام أن (المعاونة) تأتت في (الإنشاء) ، وأن (المساعدة) اتفقت في (الإدارة) . أما المعاون عليه في الأول، والمساعد عليه في الثاني، فهو (الصعوبة) التي تعترض (الإنشاء والإدارة) غالبًا، وإنما اكتفى من ذكر (الصعوبة) بذكر متعلّق يُغني عنها لظهور الغرض به. ونحو ذلك ما جاء في التنزيل: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر -الأنفال/72) فإنه على الظرفية المجازية، والمستنصر عليه هاهنا أعداء الدين، وقد حُذف لظهور الغرض بما ذُكر.
وانظر إلى قول الرسول الأعظم ?: كل سلاقى عليه صدقة كل يوم يُعين الرجل في دابته يحامله عليها ويرفع عليها متاعه، صدقة). قال الشيخ العدوي الحمزاوي في شرح صحيح البخاري: (قوله يحامله بالحاء المهملة أي يساعده في الركوب) .
وفي حديث الأضحية: (كلوا وأطعموا وادّخروا فإن ذلك العام كان بالناس جهد فأدرت أن تُعينوا فيها) . وقد قيل إن الضمير في (فيها) عائد إلى المشقة المفهومة من الجهد، فيكون تحرير القول: (فأردت أن تعينوا الفقراء في المشقة) ، وهكذا قول عليّ رضي الله عنه: (فمن صدق بهذا فقد كذب القرآن واستغنى عن الإعانة بالله في نيل المحبوب ودفع المكروه) .
وغريب بعد هذا أن يمنع الأستاذ أسعد داغر قول القائل (يعاونهم في إنشائها، ويساعدهم في إدارة شؤونها) ، قال: (وتعدية هذين الفعلين بفي خطأ صوابه بعلى) ، والصحيح ما ذكرناه، وليس الأمر على ما قال، فانظر إلى القول قيس بن الحطيم الأوسي:
وساعدني فيها ابنُ عمر بن عامر