هذا وأكثر ما يعيب به النقاد كتابنا تصرّفهم في استعمال حروف الجرّ، في غير تدبر أو تحقيق. وسترى أنهم قد أنكروا عليهم في ذلك، سائغًا لا شبهة فيه لناظر، ومستقيمًا لا مطعن به لغامز، وسنقصر الكلام هاهنا، على ما يتصل بهذه الحروف، ونأتي بأمثلة وشواهد وبينات تُفصح عما أردنا وتُبين عما ذهبنا إليه، وسنجلو في مقالات تالية ما يُظهر مكنون ما عوّلنا عليه ومضمون ما انتحيناه فيما قدّمنا من موارد التخطئة، ليستبين القصد ويستبصر الطريق.
فالقاعدة في استعمال حروف الجر أن يؤخذ فيها بالسماع والقياس جميعًا. أمّا السماع فيأتي النصّ عليه في المعاجم، وهي لا تتجاوزه غالبًا ولا تتعداه. وأمّا القياس فمرجعه كتب النحو والأمهات اللغوية والأدبية، ففيها وجوه تصريف هذه الحروف في دلالاتها المطّردة. فإذا نصّ المعجم على استعمال فعل بحرف من الحروف سماعًا، دلّ ذلك على وقوع الفعل على الوجه المخصوص الذي حدّد له، فإذا أريد للفعل أن يتصرّف فيبين عن وجوه أخرى فلابد من إعمال حروف استقرّت فيها دلالات هذه الوجوه طردًا وقياسًا.
وقد يكون من هذه الحروف المُعملة قياسًا ما ينحو بالفعل إلى النحو الذي يُفضى إليه الحرف المنصوص عليه سماعًا، فيستعمل الفعل بحرفين قياسي وسماعي لقصدين متماثلين.
فأنت تقول سماعًا: أجبت عن السؤال، ولكنك تقول إلى ذلك: أجبت في الكتاب، وبالكتاب، وأجبت عنك، وعلى ورقة بيضاء، ولأمر مهم، وعن الأسئلة من أولها إلى آخرها، كل ذلك على جهة القياس والاطّراد.