ومن المواقف التي كانت تدل على أن الجرأة في القول وحرية التعبير إنما تكون تربية وتنشئه، ما كان بين فتى من سهم ونافع بن علقمة خال مروان بين الحكم وواليه على مكة والمدينة، وكان الفتى يذكرُ مروانَ بكل قبيح، فلما أتُيَ به وأمر بضرب عنقه، قال الفتى: (لا تعجل ودعني أتكلم) قال:"أوبكَ كلام"قال: (نعم وأزيد، يا نافع، وليتَ الحرمين تحكمُ في دمائنا وأموالنا، وعندك أربع عقائل من العرب، وبنيتُ ياقوتة بين الصفا والمروة ـ يعني داره ـ وأنت نافع بن علقمة بن نضلة بن صفوان بن محرث، أحسن الناس وجهًا، وأكرمهم حسبًا، وليس لنا من ذلك إلا التراب، فلم نحسدك على شيء ولم ننفسهُ عليك، ونَفَستَ علينا أن نتكلم) فقال (تَكلمْ حتى ينفكَّ فكَّاك) ( [56] ) . من كل المواقف السابقة يتبين لنا أنه يصبح من الطبيعي أن من ينشأ على الجرأة في التعبير عن آرائه صغيرًا لن يتوانى عن ذلك كبيرًا، إذ يصبح جزءًا من شخصيته، لذلك توفر للشعر العربي في العصور الذهبية للدول العربية الشعراء الذين عبروا عن أحوال مجتمعاتهم تجاه السلطة بجرأة ولما فيه خير وصلاح الناس.
وفي العصر العباسي استمر الشعر منبرًا لنقل معاناة الناس وشكواهم من تعسف الولاة وإرهاق الخلفاء للرعية بالجبايات،وزخرت كتب الأدب بهذا النوع من الشعر مرتبطًا بأسماء الشعراء صراحة عندما كانت الدولة في أوج ازدهارها ثم نرى تغييبًا لأسماء الشعراء عندما بدأت الدولة بالتقهقر والانحدار، وتراجعت حرية الرأي، وأصبح الشعراء يخافون من بطش السلطة، ولكن دائمًا، كان الشاعر ضمير المجتمع المعبر بشعره عن المظالم مطالبًا برفعها وإحقاق حقوق الناس. ومن الشعر الموجه للسلطة وارتبط صراحة بأسماء أصحابه، ما قاله ابن مناذر في خالد بن عبد الله بن طليق الخزاعي وكان المهدي استقضاه وعزل عبيد الله بن الحسن العنبري ( [57] ) :
قل لأمير المؤمنين الذي
إنْ كنتَ للسخطةِ عاقَبْتَنا ... بخالدٍ فهوَ أشدُّ العذابْ