وإلا فأنا الحجاج وأن النقطة، فإن شئت مَحَوْتُكَ، وإن شئتُ أثبتُّكَ) ( [53] ) . إن هذه الجرأة في الكلام التي تستدعيها حرية التعبير والنقد لما فيه صالح المجتمع إنما تكون تربية وتعليمًا وتشجيعًا ينشأ عليها الأفراد منذ حداثتهم، وهكذا كان العرب يقومون بتربية أبنائهم على عدم التهيب في المواقف، وأن يدافع الواحد منهم عن نفسه في أي موقف، فلا يقبل الظلم ويأنف منه، سواء كان من العامة أو الخاصة.. ويروى عن إياس بن معاوية أنه (دخل الشام وهو غلام فتقدم خصمًا له وكان الخصم شيخًا كبيرًا إلى بعض قضاة عبد الملك بن مروان، فقال له القاضي: أتتقدمُ شيخًا كبيرًا؟ قال: الحق أكبر منه. قال:اسكت. قال: فمن ينطق بحجتي؟ قال: لا أظنك تقول حقًا حتى تقوم. قال: لا إله إلا الله، أحقًا هذا أم باطلًا؟ فقام القاضي فدخل على عبد الملك بن مروان من ساعته فأخبره بالخبر، فقال عبد الملك، اقضِ حاجته الساعة، وأخرجه من الشام حتى لا يفسد علي الناس) ( [54] ) ومن ذلك أيضًا ما يروى عن عمرو بن سعيد بن العاص، فقد دعا به معاوية مع غلمان من قريش، فلما استنطقه قال: (إنَّ أولَّ كل مركب صعب، وإنَّ مع اليوم غدا) فقال له معاوية: (إلى مَنْ أوصى بك أبوك؟) فأجابه عمرو (إنَّ أبي أوصى إليَّ ولم يوصِ بي) فقال معاوية (وبأي شيءٍ أوصاك) قال عمرو بن سعيد (بأنْ لا يفقدَ إخوانهُ منه إلا شخصه) فقال معاوية عند ذلك (إنَّ ابن سعيد هذا لأشدق) ( [55] ) .