وهكذا كانت رقابة المطبوعات التركية في القرن التاسع عشر أكثر تشبثًا من خليفة دمشق في القرن الثامن ( [48] ) .
ومن المواقف التي تبيّن المساحة الواسعة للحرية التي تمتع بها الأفراد في مخاطبة الخلفاء و الأمراء، ما كان من أمر خالد بن سلمة المخزومي مع عبد الملك بن مروان عندما سأله عبد الملك عن أخطب الناس؟؟ فقال خالد: (أنا، قال: ثم من؟ قال:(سيد جذام) يقصد روح بن زنباع. قال ثم من؟ قال: (أخيفش ثقيف) يقصد الحجاج، قال: ثم من؟ قال: أمير المؤمنين. قال: ويحك جعلتني رابع أربعة! قال: نعم هو ما سمعت) ( [49] )
ودخل رجل من قيس عيلان على عبد الملك بن مروان، فقال عبد الملك: (زبيري عميري والله لا يحبك قلبي أبدًا) فقال الرجل، يا أمير المؤمنين إنما تجزع من فقدان الحب المرأة ولكن عدل و إنصاف) ( [50] )
ودخل يزيد بن أبي مسلم على سليمان بن عبد الملك، وكان دميمًا، فلما رآه قال: (على رجل أمركَ وسنَّكَ وسلطَّكَ على المسلمين لعنة الله. فقال: يا أمير المؤمنين إنك رأيتني و الأمر عني مدبر ولو رأيتني والأمر علي مقبل استعظمت من أمري ما استصغرت. فقال سليمان: أفترى الحجاجَ بلغَ مقرَّ جهنم بعد. فقال يزيد: يا أمير المؤمنين يجيء الحجاج يوم القيامة بين أبيك و أخيك، قابضًا على يمين أبيك وشمال أخيك، فضعه من النار حيث شئت) ( [51] ) .
وسبب ذلك أن الوليد بن عبد الملك خطب يومًا فقال: (إنّ أميرَ المؤمنين عبد الملك كان يقول: إن الحجاج جلدة ما بين عيني، ألا وأنه جلدة وجهي كله) ( [52] ) ولذلك وجه الحجاج إلى سليمان بن عبد الملك عند توليه الخلافة كتابًا يقول فيه: (إنما أنت نقطة من مداد، فإن رأيتَ في ما رأى أبوك وأخوك كنت لك كما كنت لهما.