وهكذا نرى أن العداء السياسي لم يسمح بالقطيعة النهائية بين الشاعر والسلطة. إن الشاعر في العصر الأموي لم يقف معبرًا عن الآراء السياسية فقط وإنما قام أيضًا بنقد السلطة مبينًا ما آل إليه حال المجتمع من ظلم الولاة والحكام، فيقول رجلٌ لعمر بن عبد العزيز وهو على المنبر ( [36] ) : ... نَبذوا كتابَك واستُحِلَّ المُحْرَمُ
إنَّ الذينَ بعثتَ في أقطارها
طُلسُ الثيابِ على منابر أرضِنا ... كُلٌ يجورُ وكلُّهم يتظلمُ
وأرْدتُ أن يليَ الأمانة منهمُ ... عدْلٌ وهيهاتَ الأمينُ المسلمُ
وقال كعب الأشقري لعمر بن عبد العزيز ( [37] ) : ... عُمّالُ أرضِكَ بالبلادِ ذِئابُ
إنْ كنتَ تحفظُ ما يليكَ فإنّما
لن يستجيبوا للذي تدعو له ... حتى يُجلدَ بالسيوفِ رقابُ
بَأكُفِّ مُنصلتينَ أهل بَصائر ... في وَقْعِهنَّ مَزاجِرٌ وعِقابُ
وقال الراعي النميري مخاطبًا عبد الملك بن مروان مصورا الفقر والظلم الذي لحق بقومه من الجباة ( [38] ) : ... حُنفاءُ نسجدُ بُكرةً وأصيلا
أخليفةَ الرحمنِ إنَّا معشرٌ
عَربٌ نرى للهِ في أموالنا ... حقَّ الزكاةِ منزلًا تنزيلا
إنَّ السُّعاةَ عَصَوْكَ يومَ أمرتهم ... وأتوا دواهي لو علمتَ وغولا
أخذوا العريفَ فقطَّعُوا حيزومَه ... بالأصبحية قائمًا مغلولا ( [39] )
حتى إذا لم يَتركوا لعظامِه ... لحمًا، ولا لفؤادهِ معقولا
جاؤوا بَصِكهمُ، وأحدبَ أسأَرتْ ... منه السياطُ يراعةً إجفيلا ( [40] )
أخذوا حمولته، وأصبح قاعدًا ... لا يستطيع عن الديار حَويلا
يدعو أميرَ المؤمنين ودُونَهُ ... خَرْق تجرَّ به الرياحُ ذيولا ( [41] )
أخليفة الرحمن إنَّ عَشيرتي ... أمسى سوامهم عِزين فلولا ( [42] )
قطعوا اليمامة يُطردَونَ كأنهم ... قومٌ، أصابوا، ظالمين قتيلا
وأتاهم يحيى فَشَدَّ عليهم ... عقدا يراه المسلمون ثقيلا
كتبًا تركْنَ غنيهم ذا عيلة ... بعدَ الغنى وفَقيرَهم مَهْزولا ( [43] )
أنت الخليفةُ عَدْلُهُ ونواله ... وإذا أردْتَ لظالمٍ تنكيلا
فارفَعْ مظالمَ عيّلتْ أبناءَها ... عنَّا، وأنقِذْ شِلوَنا المأكُولا ( [44] )