إنَّ الذينَ أمرْتَهم أنْ يعْدِلُوا ... لمْ يفعلوا مما أَمَرْتَ فَتِيلا
أخذوا الكِرامَ مِنَ العِشَارِ ظلامةً ... مِنَّا، ويُكتَبُ للأميرِ أفيلا ( [45] )
ونحن نورد هذه الأبيات على طولها لنرى كيف قام الشاعر بتحميل السلطة المركزية مسؤولية الظلم الذي حاق بالرعية، وكيف بين فساد الولاة والجباة الذين تم تعيينهم من قبل السلطة التي هي الآن مرجعية الناس جميعًا، كما نلاحظ أن الشاعر وَجَّهَ الخطاب مباشرة إلى الخليفة وحَمَّله مسؤولية إقامة العدل ورفع الظلم عن المسلمين، فقوم الشاعر (حنفاء) وليسوا من دين آخر ولا كفار بدليل قيامهم بالصلاة التي تميز المسلم من غيره، وهم يدفعون الزكاة وليس الجزية!! والشاعر يؤكد على قيام قومه بهذين الركنين الأساسيين من الإسلام ليؤكد قيامهم بالفرائض الدينية الواجبة على المسلم وأن لهم حقوقًا تؤدى للمسلمين في ظل دولة الإسلام ولا يحرمون منها مثل أتباع الأديان الأخرى الذين حقت عليهم بالجزية وليس الزكاة، ويذّكر الشاعرُ الخليفة أيضًا بأنهم (عرب) وبأن الدولة قامت على العنصر العربي في بداية أمرها، فلماذا إذن هذا الظلم والتعسف من الولاة والجباة؟ فالرعية تؤدي ما هو مطلوب منها في إطار العلاقة بين المجتمع والدولة، وعلى الدولة ـ ممثلة بالخليفة ـ أن تؤدي للناس ما يجب عليها، وهنا نرى أن الشاعر تجاوز السلطة الأدنى /الولاة/ ليرفع مظلمته إلى السلطة الأعلى / الخليفة/ الذي أتاح حرية التعبير ومكَّن الناس من الوصول إلى مرجعية أعلى. ... مِنْ ناصحٍ لكَ لا يُريكَ خِداعا
وكتب أنس بن زنيم الليثي إلى عبد الله بن الزبير في أخيه مصعب عندما كان عامله على البصرة ( [46] )
أبلغْ أميرَ المؤمنينَ رسالةً
بَضَعَ الفتاةَ بألفِ ألفٍ كاملٍ ... وتبيتُ قاداتِ الجيوشِ جياعا
لو لأبي حفصٍ أقولُ مقالتي ... وأبِتُّ ما أبثثتكم لارتاعا