ومن الضروري هنا أن نميز بين حرية التعبير عن الرأي وبين التحريض على السلطة الذي اتخذ أسلوب العنف المسلح ضد الدولة والذي كان يقابل بعنف مضاد من السلطة، وإن كان نقد السلطة ـ من خلال حرية التعبير ـ قوبل بتسامح من قبل الخلفاء الراشدين، فكذلك في العصر الأموي أتاحت حرية التعبير هذه للناس، وخاصة أشراف العرب وسادتهم، التخلص من بعض المواقف دون خوف من بطش السلطة، وأتاحت للسلطة أن تتخلص من بعض المواقف دون اللجوء إلى العنف ولعل ذلك ـ كما قلنا ـ كان ينسجم مع سياسة بني أمية في الاعتماد على القبائل العربية، والتفهم والانسجام مع العادات التي ما زال يحسب حسابها في المجتمع مع عودة الاعتداد بالقبيلة وظهور العصبية القبلية مجددًا فأخذ الحكم بعين الاعتبار مواقع الناس في قبائلهم وأهميتهم فيها، وكذلك أهمية كل قبيلة بالنسبة إلى مجموع قبائل العرب، فقام الخلفاء بالعفو عن شعراء عرضوا حتى بنسائهم، ومن هؤلاء عبيد الله بن قيس الرقيات، الذي كان زبيري الهوى فقام بهجاء بني أمية وتعرض لأم البنين زوجة الوليد بن عبد الملك قائلًا ( [34] ) :
أَتَتْني في المنامِ فقلـ
فلما أنْ فرحتُ بها ... ومالَ عليَّ أعذبُها
فطلبه الخليفة، فما كان منه إلا أن لاذَ بمن يُجيرُه، فشفع له أبوها عبد العزيز بن مروان وطلب إلى أم البنين أن تشفع للشاعر عند عبد الملك بن مروان وقُبلت شفاعتها، وعفي عن الشاعر ابن قيس الرقيات الذي ما لبث أن أنشد مادحًا ( [35] ) : ... لا أنَهم يَحْلُمونَ إنْ غَضِبوا
ما نَقَموا مِنْ بني أمَيةَ إ
وأنّهم مَعْدنُ المُلوكِ فلا ... تَصْلحُ إلا عليهمُ العربُ