إذن، هذا أمر بتغيير المنكر بالفعل والقول وهو مسؤولية الفرد تجاه المجتمع، ومسؤولية الفرد والمجتمع تجاه السلطة، وتطبيق هذا المبدأ لا يكون عبر قمع حرية الرأي، وإنما بالتعبير والنقد لما فيه خير الأمة. ومن ثم فقد تمثل الخلفاء الراشدون رضوان الله تعالى عليهم هذا المبدأ في أوسع صُوره، فقال أبو بكر الصديق في خطبته عند مبايعته بالخلاقة: (أيها الناس، إنّي قد وليت عليكم ولست بخير كم من فإن رأيتموني على حق فأعينوني، وإن رأيتموني على باطل فسددونيظن أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإذا عصيته فلا طاعة لي عليكم) ( [30] ) وهذه الدعوة للنقد والتصويب لعمل السلطة لم تكن مفرغة من مضمونها بل طبقها الصديقُ بما فيه خير الأمة وصلاحها، حتى ليجترئُ الحُطيئةُ متجاوزًا حدود الصالح العام، فيقول، بعد وفاة الرسول r وتسلم أبي بكر الصديق الخلافة ( [31] ) :
أَطَعْنَا رسولَ اللهِ إذ كانَ بَيْننا
أَيُورِثُها بكرًا إذا ماتَ بَعْدَهُ ... وتلك لَعَمرُ الله قاصمةُ الظهرِ