فهرس الكتاب

الصفحة 23664 من 23694

فالشاعر يبين ما يلحقه الفقر من أذى بصاحبه، ولكنه يعتبر أن فقره هو مسؤولية فردية عليه أن ينهض بها ليغير واقعه ويحقق لنفسه الحياة الكريمة من خلال سعيه، فأنشد أعرابي في باهلة ( [16] ) : ... غنى المالِ يومًا أو عن الحَدَ ثانِ

سأعْمِلُ نصَّ العيسِ حتى يكفَّني

فللَموتُ خيرٌ من حياةٍ يرى لها ... على الحُرِّ بالإقلالِ وَسمُ هوانِ

متى يتكلم يُلْغَ حكمُ كلامِهِ ... وإن لم يَقُلْ قالوا عديمَ بيانِ

كأنَّ الغنى في أهله بُورِكَ الغِنى ... بغيرِ لسانٍ ناطقٌ بلسانِ

وقال عروة بن الورد ( [17] ) : ... رأيتُ الناسَ شرهمُ الفقيرُ

ذَريني للغنى أسعى فإني

وأهونهم وأحقرهم لديهم ... وأن أمسى له حسبٌ وخيرُ

ويُقْصَى في الندِّي وتزدريهِ ... حليلتهُ وينهُرهُ الصغيرُ

ويلْفَى ذو الغنى وله جلالٌ ... يكادُ فؤادُ صاحبهِ يطيرُ

قليلٌ ذنبُه والذنبُ جَمٌ ... ولكنْ للغنى ربٌ غفورُ

نلاحظ أن الشاعر ربط الفقر بالاضطهاد، ورأى أن الحياة الكريمة لا تتحقق من الفقر، وبَيَّن الميزات التي يسبغها الغنى على صاحبه، فتطلع إلى الحياة الكريمة رافضًا فقره، إلا أنه لم يحمل مسؤولية هذا الفقر للقبيلة أو لسادتها، فتحدث الشاعر بصيغة المبنى للمجهول (يُرى، يُلغَ، يُقصى..) ذلك أن العصبية القبلية والوفاء للقبيلة كانت تحتم على الشاعر عدم نقد القبيلة جماعة أو أفرادًا.. وبالتالي فإن الشاعر يجعل فقره مسؤوليته وليس مسؤولية السلطة، وكذلك لم يتمرد الشاعر على سلطة القبيلة حتى بما يُعتبر تدخلًا أو عقابًا له على سلوكه الشخصي، يقول طرفه بن العبد ( [18] ) : ... وبيعي وإنفاقي طريفي ومُتلدي

وما زالَ تَشرابي الخمورَ ولذتي

إلى أن تحامتني العشيرةُ كلها ... وأفرِد تُ إفرادَ البعيرِ المعبَّدِ ( [19] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت