وإن التمايز الاقتصادي الذي كان موجودًا بين الفقراء والأغنياء كان يدرؤه السادة الأغنياء بكرمهم الفياض الذي هو أحد مبررات سيادتهم، وهذا طبعًا لا ينطبق على فئ العبيد.. ولذلك فإننا نادرًا ما نلحظ نقدًا مباشرًا للسادة. وما نراه هو اللوم على التقصير في القيام بحقوق أفراد القبيلة، والذي ينطق بهذا اللوم هو فرد يعبر عن معاناته الفردية وليس عن رأي فئة أو مجموعة أفراد، لذلك نرى أن الظلم الاجتماعي والاقتصادي الذي عانى منه الفقراء والعبيد لم يعبر عنه الشعراء مثل عنترة أو غيره باعتباره مسؤولية الفرد نفسه فيقول عنترة ( [12] ) :
إني أمرؤ من خير عبس منصبًا
فالشاعر يدرأ النقص لديه في نسبه لجهة أمه (الأمة السوداء) بقوة سيفه وشجاعته ولا يحمل السلطة مسؤولية هذا التمايز الاجتماعي بين أبناء القبيلة الذي ولدوا لآباء أحرار من إماء، وإننا لا نلاحظ في الشعر الجاهلي نقدًا أو تمردًا على سلطة القبيلة، إلا ما كان من بعض الشعراء الصعاليك الذين كان انفصالهم عن قبائلهم أحيانًا تمردًا على القبيلة التي لم تنصف الفقراء، وربما عبر عروة بن الورد عن نقده للسادة (سلطة القبيلة) بتحميلهم مسؤولية عدم إنصاف الفقراء عندما يقول ( [13] ) : ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحدُ ( [14] )
إني امرؤ عافي إنائي شركةٌ
أقسِّمُ جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قُراح الماء والماءُ باردُ
وإن نقد الشاعر لسلطة القبيلة لم يكن نقدًا تحريضيًا بتحميلها المسؤولية المباشرة عن معاناة أفراد القبيلة، وإنما هو غالبًا تعبير عن حق فردي وليس عن حق جماعي، واكتفى الشعراء بتصوير واقع الحال وذمِّ الفقر وما يحمله من تبعات على أهله دون تحميل مسؤولية هذا الفقر لأحد.. يقول أبو الأعور سعيد بن زيد بن نفيل، وهو شاعر جاهلي قديم ( [15] ) : ... بَبْ ومن يفْتَقِرْ يَعِشْ عَيشَ ضُّرِ
وَيْكأنَّ من له نَشَبٌ يُحـ
ويُجنَّب سرَّ النجي ولكنّ ... أخا المالِ مُحْضَرٌ كلَّ سرِ