كانت أكثر ازدهارًا في بعض العصور دون الأخرى عندما كانت تؤدي وظائف ارتبطت بمصالح المجتمع الذي نما فيه هذا الغرض الشعري أو ذاك، فكان الهجاء والفخر أكثر ازدهارًا في العصر الجاهلي، وحفظ الناس قصائدهما رواية شفوية، لما كانت تؤديه قصيدة الفخر أو الهجاء من فائدة للقبيلة انسجامًا مع العصبية القبلية التي كانت عماد المجتمع الجاهلي حتى ذمَّ الشاعر بني تغلب لكثرة تردادهم قصيدة عمرو بن كلثوم في فخره على عمرو بن هند فقال ( [9] ) :
الْهَى بني تَغْلِبٍ عن كل مَكْرُمةٍ
ذلك أن هذه القصيدة كانت في هدفها منسجمة مع أهداف القبيلة وسادتها /سلطة القبيلة/ فمصلحة الفرد كانت متطابقة مع مصلحة الجماعة فالشاعر هو ابن القبيلة وشعره مسخر لمصالحها من الفخر بها وهجاء أعدائها ومدح سادتها، الذين كانت سيادتهم وسلطتهم ـ منوطة بما يقدمونه من خدمات للقبيلة، وعبَّر عامر بن الطفيل العامري عن ذلك بقوله ( [10] ) : ... وفي السرِّ منها والصريحِ المهذّبِ
إني وإن كنتُ ابن فارسِ عامرٍ
فما سودتني عامرٌ عن وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمقنب ( [11] )
وإن أي تقصير كان يبدر من هؤلاء السادة كفيل بتحويل السيادة عنهم إلى من هم أكثر كفاءة، وغالبًا ما نلقى في القبيلة أكثر من سيد. ... شطري وأحمي سائري بالمنصلِ