أكد النحويون على أهمية القياس المنطقي في اللغة، وكان ميزانًا لسلامة العلاقات النحوية، فحافظوا على حجته في النحو؛ لأنه يعصم القانون اللغوي عن الخطأ، ولذلك قال أبو علي الفارسي:"أخطئ في خمسين مسألة في اللغة، ولا أخطئ في واحدة من القياس" ( [32] ) لأن الخطأ في القياس يعني الخطأ في التفكير المنطقي، ولأن استخدام الفكر، ومعايير القياس الصحيحة، دليل على جوهر العلاقة بين الفكر والمنطق، فربطوا إدراك العلاقات النحوية السليمة بالإدراك العقلي للمرئيات والتعبير عن علاقتها. فالنحو مؤسس في قواعده وقوانينه على منطق علميّ ساعد في تحصين اللغة بنحوٍ عربي يعصم تراكيبها، مهما تبدلت الألفاظ في دلالاتها، وطرق استخدامها، وذلك بتطبيق القياس في النحو، واستخدام المنطق كما قال الكسائي:
إنما النحو قياسٌ يتَّبع
فإذا ما نصر النحو الفتى ... مر بالمنطق مرًّا فاتسع ( [33] )
لم يكتف العالم اللغوي بتوسيع أصول القياس في اللغة، بل بيَّن الأحكام في تطبيقه، والعلل التي أدت إلى استخدام الأصل نموذجًا يقاس عليه، فكان القياس إما معنويًا وإما لفظيًا، فقالوا"عاملٌ لفظي وعاملٌ معنوي" ( [34] ) ووضعوا نظرية العامل.
تكلّم النحويون على العلل وبرروها، وعقد ابن جني أبوابًا بحث فيها"بتخصيص العلل، والفرق بين العلّة الموجبة والعلّة المجوزة، وتعارض العلل، علّة العلّة، وحكم المعلول بعلتين، والرد على من اعتقد فساد علل النحو" ( [35] ) . وقرن علماء البصرة والكوفة نظرياتهم النحوية بالحجج والبراهين؛ لإثبات صحّة آرائهم وما كتاب"الإنصاف والانتصاف في مسائل الخلاف بين الكوفيين والبصريين"إلا انعكاس صادق عن المنهج الذي كان سائدًا في الجدل اللغوي العلمي ( [36] ) .