اهتم النحويون العرب بالقياس، وصاغوا قوانين اللغة على مبادئ المنطق الرياضي، فشكلت الفرضيات بمجموعها الظواهر اللغوية التي ينطلق منها العالم اللغوي، ثمّ قادتهم صحة الفرضيات إلى وضع دراسة الظواهر، والأسباب الكامنة وراءها. وكان قانون السببية Law of causality الدليل إلى تحليل المعطيات اللغوية، وتعليل أسباب ورودها، ثم صوغ الملاحظات والنتائج قانونًا دقيقًا، له عناصره وخصائصه المميزة، والتي تساعد على تحديد هوية العناصر وتبرير علاقاتها، وكانت القوانين الموضوعة على أصول النصوص اللغوية السليمة تقويمًا للسان العربي، وأبعادها عن طبائع الناس المتبدلة والمتغيرة، فتكون القاعدة اللغوية الشكل الأمثل للنظام اللغوي المنطقي المتولد عن إدراك العقل للمعقولات.
لم يعتد النحاة بما جاء خطأً من كلام العرب؛ بل برّروه بخروج البعض على العرف القانوني اللغوي والاندفاع وراء الطبع الخاص. ومن بينهم أبو علي الفارسيّ الذي علل الأخطاء بقوله:"إنما دخل هذا النحو كلامهم؛ لأنهم ليست لهم أصول يراجعونها، ولا قوانين يستعصمون بها، وإنما تهجم بهم طباعهم على ما ينطقون به، فربما استهواهم الشيء فزاغوا به عن القصد" ( [29] ) . واقتصر القياس على ما كان"مطردًا في القياس والاستعمال جميعًا" ( [30] ) أما ما اطرد في الاستعمال وشذ عن القياس"فلا يتخذ أصلًا يقاس عليه غيره" ( [31] ) .