أمام هذا الواقع الجديد أدرك العلماء ضرورة استنباط قاعدةٍ وقانونٍ يحفظان اللغة من الخطأ واللحن، ويكوّنان النظام الفكري، الذي يؤدي إلى كشف الخصائص العلمية للغة العربية، وكيفية استخدام مفرداتها وتراكيبها استخدامًا سليمًا، يوصل إلى المعاني الجوهرية، ويقوم برسالة التبليغ الفكري والتواصل بين أبناء البشر.
صيغت القوانين العرفية قواعد قانونية تطبق، ويقاس عليها. وإذا اعترض حكم لغوي، لا قاعدة له، قيس على القاعدة القانونية بوجود الشبه بين قضيتي القاعدة القانونية التي صارت أصلًا، والقضية المستجدة، فكان القياس في عرف العلماء:"عبارة عن تقدير الفرع بحكم الأصل"وقيل:"هو حمل فرع على أصل بعلة وإجراء حكم الأصل على الفرع" ( [22] ) . وإذا صعب القياس بحثوا عن الشبيه والنظير"فإما أن يعمّ دليل فإنك محتاج إلى إيجاد النظير" ( [23] ) .
وضع العلماء العرب شروطًا للقياس:"الأصل والفرع والعلة والحكم" ( [24] ) . فكثر كلامهم على العلة، ودعّموا شروحاتهم بالحجج والبراهين المنطقية. فجاء النحو مؤسسًا على قضايا منطقية، لها حدودها في تبيان الخصائص العامة. والمراد من"الحد الدلالة على الذات لا العلة التي وضع لأجلها إذ علة الشيء غيره" ( [25] ) .
كانت الحدود والتعريفات تميز ما بين الأصل والشبيه فيعطي للشبيه توصيفًا يميزه ويوضح سبب عدم إعطاء شبه الفرع خصائص الأصل"فشبه الفرع بالأصل أو المقيس عليه لا يعطي الفرع حقوق الأصل كاملة، إنه يمنحه حقوقه بشروط. فـ"لا"النافية المشبهة بـ"ليس"والتي لها حكمها في الشبه والأعمال، لا تعمل عمل ليس إلا بشروط، فإن لم تتوافر هذه الشروط بطل عملها ( [26] ) . ولم يأخذوا بالشاذّ المنكر في القياس، فقال سيبويه"لا ينبغي لك أن تقيس على الشاذّ المنكر في القياس" ( [27] ) ، وكانوا إذا اهتدوا إلى ظواهر لا تخضع إلى القوانين الجامعة، اعتبرت في رأي ابن أبي إسحق:"مما يحفظ ولا يقاس عليه" ( [28] ) ."