قاد ارتباط النحو بالمنطق النحويين إلى وضع فرضيات تتبنى صياغة ألفاظ على نسقٍ ألفاظٍ ثابتة، وهذه الألفاظ تتمتع بكفايتها التأصيلية وخصائصها، فكانت الأسس الأولية التي تسهم في استنباط أساليب الصياغة الصحيحة، وكشف علاقاتها؛ فكان ابن جنيّ ( [20] ) يضع الفرضية، ويطرح السؤال، ثم يجيب عن سؤاله بالبرهان لإثبات صحة الفرضيات، أو ينقضها؛ كفرضيته الناتجة عن الاستقراء, والقائلة: إن المسند إليه"الفاعل مرفوع". ثم سأل: ما سبب رفع الفاعل؟ فأجاب: ارتفع بفاعله. ثم طرح سؤالًا آخر: لم صار الفاعل مرفوعًا؟ فبرر الرفع بقوله: إن صاحب الحديث أقوى الأسماء، والضمة أقوى الحركات فجُعِل الأقوى للأقوى.
صيغت الفرضيات نظريات، وأنتجت بالتعليل والبرهان قواعد يقاس عليها. ولاحظ علماء اللغة المتقدمون ضرورة استنباط القوانين اللغوية من خلال عملية الاستقراء، فبرّر ابن جنيّ الاتفاق على اللغة وقواعدها، وقال إنّها تتكرس في المجتمعات بعقدٍ بين المتكلمين بها، ثم جاء النحو علمًا على ما جاء من قولهم"فهو علم منتزع من استقراء اللغة" ( [21] ) ؛ وبذلك أثبت ابن جنيّ أن التعامل اللغوي كان مفهومًا فطريًا وطبيعيًا بين أفراد المجتمع الواحد ومجردًا عن التوصيف، كمفهوم المجتمع البدائي للعدالة والإنصاف.
صار المفهوم اللغوي المتداول، قانونًا عرفيًا يعاب على ما يتجاوزه، على الرغم من تعدد القضايا وتطور أشكالها الناجمة عن حركة الحياة. وبحركية المجتمعات العربية وتطوِّر أنساقها وتعدديتها، تخطّت اللغة العربية الاستخدام العرفي، وصارت لغة التواصل المعرفي والثقافي، واكتسبت خصائص اللغة العلمية الأممية، فكتب بها علماء غير عرب، لهم مفهومهم المنطقي، وإدراكهم العقلي المختلف عن إدراك الإنسان العربي، وغدت اللغة العربية المختبر الأكثر إنتاجًا للخلق والإبداع.