فهرس الكتاب

الصفحة 23529 من 23694

وهذه الأصالة قادرة بثباتها ورسوخها أن تكون منطلقًا للتجديد؛ لأن التجديد يفترض حدوثه وجود أصل فيه حياة وقوة كامنة، فيعيد فعل التجديد القوة والنشاط للأصلي ( [12] ) , ويبعثه في أشكال جديدة لا عهد لنا بها، وهذا الجديد يكون في شكله الأولي على غير مثال، كونه إبداعًا، والإبداع مغايرة وخصوبة ونماء.

هذه الحركة التجديدية الإبداعية مرتبطة بعبقرية فكرية مؤسسة على فهم كامل لقواعد اللغة وقوانينها وأسرارها، فهي مرتبطة بالأصالة اللغوية من حيث الجوهر، ومتجاوزة لأشكالها، التي نظر إليها علماء النحو المحدثون كموروثٍ مقدس لا يمكن المساس به.

مما لا شك فيه أنّ الدراسة الموضوعيّة العلميّة للنحو العربي ترشد الدارس إلى الأصول النحوية التي بنيت على التفسير والتعليل، وتعطيه صورة حقيقية عن المجهود الذي بذله علماؤنا الأوائل، في جمع اللغة وتقعيدها على منهج علميّ، قوامه المنطق الرياضي. فلقد كان أبو الحسن الرمّاني متفننًا في علوم النحو واللغة والفقه والكلام على مذهب المعتزلة، وكان يمزج كلامه بالمنطق ( [13] ) .

لم يُجمِّد علماء العرب اللغة في قوالب جاهزة، وفي بطون الكتب، بل قاموا باستقراء نصوصها، ووضع مفرداتها في الاستعمال، بما تقتضيه قواعد تراكيبها، فأغنوا اللغة بالمفردات والمصطلحات وأساليب التعبير، وأصَّلوا مَهَمَّة اللغة في خلق المعرفة اللغوية ونشرها، والتي تكشف عن سلامة النطق والتعبير وسهولة استخدام المصطلحات العلمية، وأثبتوا قدرتها على التعبير عن الفكر وما يطرحه من موضوعات، أو ما يبحثه من حقائق,"فلو أنَّ علماءنا المحدثين عمدوا إلى مثل هذا النهج لضمنا ثروة لغوية عربية تتناسب تمامًا مع ما ينتجون من علم، أو يقدمون من فن ( [14] ) ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت