أثبتت لغتنا عبر تاريخها بأنها لغة تطويع وتطبيع، وهي قادرة على استيعاب العلوم بألفاظٍ عربية بعد تطعيم اللفظ الأعجمي بجينات ألسنية عربية، تم التوصل إليها بأسلوب علمي قائم على القياس فما جاء قابلًا للقياس دخل في حقل التداول المعجمي العربي. ولم يغفل علماء اللغة الأوائل ذلك فقالوا:"ما قيس على كلام العرب فهو من كلام العرب (...) وما أعرب من أجناس الأعجمية قد أجرته العرب مجرى أصول كلامها" ( [9] ) .
بهذه المقومات نواجه تحديات العولمة؛ وذلك مرتبط بقدرتنا على كشف جوهر الخصائص اللغوية التي وضعها شيوخنا الأوائل، فنعود إلى الأصول، وما قامت عليه من منطق علمي؛ لنكون قادرين على النهوض بلغتنا، وفق قوانينها الصحيحة، فلا جديد من دون قديم يؤسس للانطلاق نحو المستقبل.
رابعًا: اللغة العربية بين الأصالة والتجديد:
ترتبط اللغة بالبيئة، والإقليم، والطبائع البشرية فهي ملكة مقررة في العضو الفاعل لها وهو اللسان، وهو في كل أمة بحسب اصطلاحاتهم ( [10] ) ولا تكون اللغة إلا حيث يتواجد أفراد المجتمع الواحد الذين يكسبونها خصائص تركيبية ودلالية، تتوافق والإدراك العقلي لديهم، وسلوكهم الاجتماعي، فتتمثل الألفاظ في نظام تركيبي، له بنية خاصة، ونظام صوتي متشكل من الأصوات العرفية المنطوقة، ومن تتابعات الأصوات التي تستخدم، أو التي يمكن أن تستخدم في التعامل بين الأفراد، أو عند مجموعة من البشر.
واللغة العربية، لها أصول، تأسست عليها في الشكل الصوتي والبنية التركيبية، وهذه الأصول راسخة ثابتة في أصالتها، وثباتها بيّنٌ في تمسّكها بالشكل الصوتيّ والصرفيّ والنحويّ، إذ"لا يُخفى في العربية صوت من أصواتها مهما تتقلب تصاريف موادها المختلفة، فمادتها الأصلية محفوظة، ورابطتها اللغوية مصونة (...) إن لغتنا العربية تحتفظ بثبات أصواتها، وتبقى فيها المادة الأصلية المشتق منها واضحة مهما تبَدُ مشتقاتها الفرعية متغيرة عنها ( [11] ) ."