إذًا، فاللغة نتاج الإدراك العقلي؛ والإدراك العقلي السليم متجسد بمنهجية المنطق، وما يولده من علاقات لغوية، لها دلالاتها في عملية التواصل.
تكتسب الألفاظ دلالاتها في السياق من معانيها المعجمية، ودلالاتها الصرفية والنحوية ذات الخصائص الثابتة التي تمنحها هويتها الشخصية. وهذه الخصائص أثبتها علماء اللغة عن طريق الاستقراء العلميّ لنصوص عربية، ثم هداهم الاستقراء إلى وضع فرضيات بنوا عليها نظرياتهم وقوانينهم اللغوية. فكانت هذه القوانين المعيار الدقيق في الحكم على النصوص وقدرة أصحابها على التعامل الصحيح مع اللغة.
تعتبر القوانين أساسًا في البناء الهندسيّ اللغويّ، وعاملًا رئيسًا في تنظيم وحداتها الصغرى والكبرى، وحارسًا أمينًا على سلامة العمليات اللغوية، فاحتفظت هذه القوانين بأسرارِ جمالية البناء النسقي للغة العربية وأشكالها الفنية، وحافظت في الوقت عينه على أصولها وأسسها وأنظمتها. فلم تتغير مذ كان للغة العربية هويتها الذاتية والمستقلة ( [8] ) , ولم تتأثر القوانين بالألفاظ التي زال استخدامها، أو بالألفاظ التي تغيّرت دلالتها مع التطور اللغويّ، أو مع الألفاظ الأعجمية التي دخلت لغتنا وصارت جزءًا منها، ولم يؤثر التبدُّل الشكلي اللغوي في بنيتها النحوية أو الصرفية.
من هذا المنطلق نحن لا نخاف على لغتنا من زحف العولمة، كونها لغةً حيّة، محصَّنة بقوانين تشكلها الداخلي والتي تساعدها على استيعاب ما تنتجه العولمة، وما تقدمه من مصطلحات، يمكن تطويعها ومنحها بعضًا من خصائص اللغة الذاتية، وإكسابها هوية عربية، فتضاف بذلك ألفاظٌ جديدة إلى العائلة اللغوية العربية، وتنمو المفردات، وتتطوَّر الدلالة اللفظية، فينحسر الخوف من المصطلحات الجديدة بالتداول والاستخدام.