فالصورة الذهنية المتشكلة في الفكر هي الرابط بين اللفظ"الدال"، والشيء الخارجي"المدلول عليه"الحقيقي، فهي إذًا ـ أي الصورة الذهنية ـ الفكرة المتولدة عن الظاهر المرئي والمعبَّر عنه بالصورة اللفظية الخارجية أو الصادرة أو المنعكسة عن الفكرة، فالتعبير اللغوي مرتبطٌ بالمحيط الاجتماعي، وبالقدرات الذاتية للمختبر الذهني اللغوي؛ لأن الألفاظ انعكاسٌ صادرٌ عن اختراق شعاع الصورة المرئية للحواس العقلية، فيتم التعبيرُ عن المعنى الممكن الإحاطة به، من خلال العلاقة بين الرمز والمرموز إليه، المرئي بالشكل والصورة والإدراك العقلي، فعملية تشكلُّ المعنى تتم في ترتيب رياضي هندسي مثلث الرؤوس والزوايا والأضلاع، وهذه العلاقة لا تُدْرَك إلا بالعقل؛ لذلك يستحيل تحقق الإبداع إلا باللغة القومية. ولذلك يمكن القول إنّ عجزنا عن استيعاب مقومات اللغة العربية أفقدنا طاقاتنا الابتكارية.
تشكِّل العلاقة بين الدال والمدلول والمنتج العقلي معادلة رياضية، فأي تغيير في حدِّ من حدود المعادلة يؤدّي إلى تبدُّلِ حتمي في الحدود الأخرى، مما يقود إلى الاعتقاد بضرورة اعتماد هذه المعادلة أساسًا في دراسة النظريات اللغوية، فلا تُدرس اللغة إلا من ضمن معطيات اللغة المنبثقة عن حدود المعادلة السابق ذكرها، وكلّ"محاولة تهدف إلى اعتبار اللغة شيئًا يمكن قياسه من الخارج من دون نظرة داخلية بالفكر إنما تبوء بالفشل... وليست اللغة رصفًا من الألفاظ ولا جمعًا لمفردات دون وعي أو انتباه. اللغة"قضايا"مفيدة دالة، والقضية"حكم"ومتى قلنا"بالحكم"فقد قلنا بالربط الفكري" ( [7] ) . فاللغة أوجدها فكر مبدع، أدرك حقيقة العلاقات بين الشكل والجوهر، رمَز إليها بألفاظ تشير إلى معانيها، وركبَّ منها قضايا تتمظهر في أجسادٍ نصية، تتمايز بتمايز الفكر المُنْتِج.