فاللغة العربية مرتبطة ارتباطًا مصيريًا وحتميًا بأبنائها. فعندما كان العرب في عصورهم الذهبية، أغنت اللغة العربية العالم بالعلوم والمعارف، وأثبتت قدرتها على الانتشار والتوسع والاستيعاب والتواصل الفكري الإنساني. ولكنّ الفرد العربيّ يعيش اليوم أزمة هروب من الذات، وينغمس في حالة تغريب عن أصالته ووجوده، فانعكست الأزمة سلبًا على الواقع اللغوي، ووصمت اللغة بالعجز والقصور عن مواكبة التطور العلميّ والحضاريّ؛ والعجز الحقيقيّ، في رأي بعض المفكرين العرب، ليس في اللغة بل بالقيمين عليها، والدليل على ذلك الواقع العربيّ:"عندما كان العرب أقوياء كانت لغتهم قوية، فابتكروا آلاف الكلمات والمصطلحات ومئات العلوم واتسعت لغتهم لكل جديد مهما كان مصدره ( [3] ) "؛ فالعجز كامن في ممارسات الإنساني العربيّ، وليس في اللغة التي تحتاج في نماء مفرداتها وتطور دلالاتها، إلى نخبة تؤمن بقدراتها الذاتية، وقابليتها للاكتساب والتطويع، وهذا مرتبطٌ بإعادة الثقة بالانتماء وبطاقات اللغة؛ لأنّ العلاقة بين الإنسان العربي ولغته علاقة تكاملية حتمية فلا وجود له من دونها، ولا وجود لها من دونه، ولذلك نجد أنَّ تخلفنا عن ركب الحضارة ناتج عن جهل المثقف العربي بخصائص لغته التي بها تُدوَّن العلوم والمعارف والمصطلحات، وتُحْفَظْ ثمار الفكر، وتسجَّل الملاحظات وأشكال الابتكارات، وتتحدد قيمة المنتج"لأن انشغال الفكر بالابتكار أو الانتشار المعين تصحبه عادة صور لغوية مهزوزة أو غائمة، وهي بمثابة القوالب أو الأطر التي تصلح لاحتواء الفكر" ( [4] ) .
ثالثًا: الفكر العربيّ واللغة