أما الغزالي (ت 505هـ ـ 111م) صاحب"إحياء علوم الدين"فقد عمل على جعل التصوف مقبولًا لدى السلطة والفقهاء المتشددين في أحكام الشريعة ( [15] ) . ويرى الغزالي أن معرفة الحقيقة إنما تأتي عن طريق الإيمان والقلب وليس العقل. وهو يعتقد أن استخدام العقل في البحث عن الحقيقة الإلهية راجع للشك وضعف الإيمان، وهو بذلك يحاول تجميد العقل وحصر التفكير مما جعل طبقات العامة ـ الذين كان يكتب من أجلهم ـ يحاربون دعاة العقل من فلاسفة ومتصوفة.
ومن أشهر صوفيي بلاد الإسلام محيي الدين بن عربي (ت 638 هـ ـ 1240م) صاحب نظرية وحدة الوجود. فهو يرى أن العالم وجد قبل أن يخلق تمامًا كالأفكار التي تولد في ضمير الإنسان قبل تجسيدها. بمعنى آخر أن الأشياء لم تخلق من العدم. ويرى أيضًا أن الطبيعة هي المظهر الخارجي للذات الإلهية. أما الإنسان فهو العالم الصغير الذي تتحد في ذاته جميع صفات الله ( [16] ) . فوجود المخلوقات عنده عين وجود الخالق لا فرق بينهما من حيث الحقيقة ( [17] ) . ومن هنا يتجلى بوضوح تأثير الأفلاطونية الحديثة والمسيحية في فلسفة ابن عربي والصوفية، والنظرية الأفلاطونية الحديثة انتقلت إلى الشرق بوساطة النصارى السريان. وقد أثار عليه مذهبه في وحدة الوجود سخط الفقهاء المتشددين كما ثاروا على الحلاج من قبل.
وردت فكرة وجود الوجود والاتحاد بالذات الإلهية عند ابن عربي في عديد من موشحاته، ومنها هذا الموشح الذي مطلعه:
تدرع لاهوتي بناسوتي
فمن قال عني إنني العبد
وقد صح أني الملك الفرد
قرب عليم غره الجحد
فانظر عزتي فيك وتثبيتي ... على عرش تنزيهي عن القوتي ( [18] )