غير أن ابن عربي لم يذهب مذهب الحلاج في نظرية الحلول، فهو يصرح بأن الحلول ليس شبيهًا بوصول الجسم بالجسم، أو العرض بالعرض، أو العلم بالمعلوم، أو الفعل بالمفعول. بل الوصول أو الاتحاد متخيلًا أكثر من حقيقيًا، فالصوفي يشاهد محبوبه بالقرب منه على نحو واضح كأنه يشاهده حقًا بعينيه، ويشعر بلذة الوصول بتجربة ألطف وأعذب من الوصال الجسماني ( [19] ) . أما وحدة الوجود عنده فليست هي الوحدة المطلقة التي وردت عند بعض الفلاسفة، وكل ما قيل عن محيي الدين بن عربي من تكفير وتجريم هو مجرد اتهام افتراء ممن لا يطيقون سماع كلمة حب أو عشق في مذهب الصوفية والفلاسفة. ... ترفقن لا تضعفن بالشجو أشجاني
وكان متصوفة الإسلام قد تبنوا النظرية الأفلاطونية المحدثة ومذهب التطهير في المسيحية ومذهب القديس أوغستين الجزائري في اللطف الإلهي. والتطهير عند ابن عربي ثلاث مراتب: تزكية النفس، وتصفية القلب، وتجلية الروح."وللوصول إلى المرتبة الأولى لابد من التوبة وقهر الأهواء، وللوصول إلى المرتبة الثانية لابد من الخلوة والذكر، وللوصول إلى الثالثة يكفي الإيمان الصوفي الذي يفتح أبواب الروح للإلهامات العلوية" ( [20] ) .
ولابن عربي في وحدة الأديان مذهب لا يختلف كثيرًا عن مذهب الحلاج، وذهب إلى أن العبادة هي أن ينظر العبد إلى جميع الصور على أنها حقيقة الإله. غير أن وحدة الأديان عنده لها تأويلات ورموز ولا تعني خروجه على الشريعة. فهو يرى أن الصوفي يجد الله في كل الأديان:
ألا يا حمامات الأراكة والبان
لقد صار قلبي قابلًا كل صورة ... فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف ... وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنّى توجهتْ ... ركائبه فالحب ديني وإيماني ( [21] )