وكان لهؤلاء الشيوخ من العلماء والفقهاء وغيرهم من العرب أكبر الأثر في هؤلاء السلاطين، وهم الذين كانوا موضع ثقتهم واستشاراتهم، ولم تكن هذه الفتوح إلا استجابة من السلاطين لما كان العلماء يدعون إليه من حث وتحريض في سبيل التحرير والوحدة وجمع شمل العرب والمسلمين.
أثر الشعر الديني النبوي والصوفي في دعم الفكرة العربية
أبرزنا أهمية الشعراء، أصحاب الموثبات الجديدة في العصر المملوكي من خلال عرض شعر الملاحم والأحداث.
ويبقى علينا أن نبرز الآن أثار الشعر الديني النبوي والصوفي في دعم الفكرة العربية أما بالنسبة للشعر الديني فيندر أن نجد قصيدة نبوية لا يتغنى فيها الشاعر بالعرب والعروبة لأن من مستلزمات المدائح النبوية مدح العرب، وهذا الغرض يقتضي بالطبع وصف الصحارى والرمال والكثبان العربية إضافة إلى التغني بأيامهم وخصالهم، والرسول سيد العرب، ومن حقه على الشعراء أن يفيضوا في استقصاء هذا المدح من خلال المعاني التي تمجد العرب كل التمجيد.
نذكر مثلًا قصيدة الشاعر الكومي التلمساني شمس الدين محمد بن عفيف الدين سليمان المعروف بـ الشاب الظريف في مدح الرسول الكريم، وقد استهلها بقوله (82) :
أرض الأحبة من سفح ومن كثب
ولا عدت أهلك النائين من نفس الـ ... ـصَّبا تحية عاني القلب مكتئب
ويستطرد الشاعر بعد هذا الاستهلال بالنسيب النبوي، فيتحدث عن العرب، وشأنه في ذلك شأنه في معظم مطالع قصائده في الغزل والنسيب، فقد أعلن إيمانه بالعرب والعروبة في عصر كثر التحدث فيه عند الشعراء في غير هذا الغرض عن الترك وغيرهم، ولا سيما أن الطبقة الحاكمة من غير العرب، فلم يخف ذلك، وإنما أعلنها صرخة عربية جريئة بقوله بعد ذلك (83) : ... فلا رعى الله إلا أوجه العرب
قوم هم العرب المحميّ جارهم
أعز عندي من سمعي ومن بصري ... ومن فؤادي ومن أهلي ومن نسبي
لهم على حقوق مذ عرفتهم ... كأنني بين أم منهم وأب
إن كان أحسن ما في الشعر أكذبه ... فحسن شعري فيهم غير ذي كذب