كما توضحت الوحدة العربية وبشائرها في الوطن العربي الأكبر، في القصيدة التي مدح بها محمد بن حسان الضبي، وقد استهلها بقوله: ... البينُ أكثر من شوقي وأحزاني
ما اليوم أول توديع ولا الثاني
وفيها يقول بعد ذلك: ... في بلدة فظهور العيسِ أوطاني
خليفة الخضر من يربع على وطنٍ
بالشام أهلي، وبغداد الهوى، وأنا ... بالرَّقتين وبالفسطاط إخواني
وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تطوِّح بي أقصى خراسان
خلَّفتُ بالأفق الغربي لي سكنًا ... قد كان عيشي به حلوًا بحلوان
وطنه الذي يتحدث عنه وهو على ظهور العيس، يمتد في الجزيرة العربية وهلالها الخصيب وطرازها الأخضر، أهله وقومه- كما في رواية ثانية بهذا البيت- في الشام، وهواه في العراق، وإخوانه في مصر، وأما الشاعر نفسه فإنه مقيم في الرقتين (59) على الفرات:
مجاهدة الصليبيين
أما المرحلة الثانية في العصر العباسي فتتمثل في مجاهدة الصليبيين بعد الروم وخاصة في بلاد الشام، والمعروف أن الخلافة العباسية كانت ضعيفة لا تستطيع حماية البلاد التي كانت تدين لها بالولاء والطاعة، ولذلك ظهرت دول قوية لصد هذا الخطر الجديد الذي يتهدد العالم الإسلامي والوحدة العربية، وكان للزنكيين الأتراك وللأيوبيين الأكراد أكبر أثر في الدفاع عن بلاد الشام وغيرها.
أبرز ظاهرة لهذه المرحلة الجديدة في الوحدة العربية أنها اتخذت طابعًا دينيًا لأن مقارعة الصليبيين الغزاة الجدد كانت ذات مظهر ديني، فلا نستغرب إذا رأينا فكرة الوحدة العربية تتجسد في هذا التيار الديني الذي كان هدفه الأول تحرير بيت المقدس والقضاء على الممالك الصليبية الخمسة التي امتدت من شمال بلاد الشام حتى بيت المقدس، واحتلت الطراز الأخضر.
لقد قرن الشعراء القدس بمكة، وهذا الاقتران بمفهومه الديني يعد من أهم البواعث والحوافز على صون الوحدة العربية.