الملاحظ أن المتنبي بالغ في تحديد البلاد التي كانت فعلًا تحت حكم كافور، ولقد لفت نظرنا إلى ذلك أبو البقاء العكبري، شارح ديوانه، فقال (54) :"يريد سعة ملكه وولايته، وأنه يدبر هذه المملكة على تباعد ما بينها وبين مصر وعدن، وهي مدينة باليمن على ثلاثة أشهر، وبين عدن والعراق ثلاثة أشهر، وبين مصر وأول بلاد الروم شهران، وبين مصر وبين أرض النوبة ثلاثة أشهر، فكان يدبر هذا على سعته، ولم يملكه كافور ولا أستاذه، وإنما ملك كافور مصر وأعمالها، والذي ذكره أبو الطيب لم يملكه، وما تأمَّر فيه سوى الملك الكامل، أبي المعالي محمد بن أبي بكر بن أيوب، فإنه ملك اليمن كله، وملك مصر وأعمالها, والشام وأعمالها، وخُطب له بالموصل، وهو أول أعمال العراق وكان أمره فيها ويدبرها، وملك آمد، وهي أول أعمال الروم". ... حلبٌ قصدنا وأنت السبيل
مغالبة الروم
أبرز ما لاحظناه في العصر العباسي أن فكرة القومية والوحدة مرت في مرحلتين اثنتين:
المرحلة الأولى في الحروب التي كانت بين العرب والروم
والمرحلة الثانية في الحروب التي كانت بين العرب والصليبيين
ولا شك في أن الشاعر المتنبي كان الثائر على كل من ليس بعربي. أحب سيف الدولة الحمداني لأنه عربي النجار، وقد صور نفسه خير تصوير في القصيدة التي بعث بها إليه، وهو في الكوفة، فقال (55) :
كلما رحَّبت بنا الروض قلنا:
ليس إلاَّك يا علي همام ... سيفه دون عرضه مسلول
كيف لا يأمن العراق ومصر ... وسراياك دونها والخيول
لو تحرَّفت عن طريق الأعادي ... ربط السِّدر خيلهم والنخيل
أنت طول الحياة للروم غازٍ ... فمتى الوعد أن يكون القُفول
وسوى الروم خلف ظهرك روم ... فعلى أي جانبيك تميل
أهم ما لاحظناه في هذه المدحة بعض حوافز القومية العربية التي تمثلت في أمرين: ... أحدث شيء عهدًا بها القدم