فهرس الكتاب

الصفحة 2332 من 23694

إن تاريخنا العربي يؤكد أن الأحداث والمصائب وحدت العرب دومًا، ولذلك بقيت القومية العربية حصنًا للأمة العربية صانت لها تراثها، وضمنت لها بقاءها عبر السنين لأن كثيرًا من الأمم الأخرى قد بادت وانقرضت، ولم تقم لحضارتها قائمة حين تصرفت بها الأحداث والغير.

هناك ظواهر أصيلة أسهمت في إبراز فكرة الوحدة عند العرب.

ولقد كان للشعراء أكبر الأثر في بعث الفكر القومي ونضجه في وقت مبكر جدًا من تاريخنا، ذلك لأن الشعر ديوان العرب، وهو الناطق بما يتردد في صدورهم وعلى ألسنتهم.

ولو أننا تصفحنا مثلًا معلقة عمرو بن كلثوم، وهو أحد شعراء الجاهلية، وعظمائهم، وفرسانهم، لرأينا أنه كان عزيز النفس مرهوب الجانب. ومعلقته التي نيفت على مائة بيت من أجمل الشعر الجاهلي.

استهلها بوصف الخمر. ومن خلال هذا الوصف نستنتج أن العربي يجد وشائج وحدته في أي بلد عربي آخر تقاربت البلدان أو تباعدت (50) :

ألا هبي بصحنك فاصبحينا

وكأسٍ قد شربت ببعلبكٍ ... وأخرى في دمشق وقاصرينا

أورد الشاعر في هذا الاستهلال الخمري من البلدان: أندرين، وقاصرين، وبعلبك، ودمشق. ولم يقتصر إيراده على ما ذكر، وإنما نجد في معلقته أسماء كثير من الأماكن. ... إذا قُبَبٌ بأبطحها بُنينا

لن نطيل الوقوف في هذا الاستهلال الخمري، وإنما نتجاوزه إلى شاهد آخر من معلقته، نقرأ من خلاله نفسية الشاعر المؤمن بعروبته وقوميته (51) :

وقد علم القبائل من معدٍ

بأنّا المطعمون إذا قدرنا ... وأنَّا المهلكون إذا ابتلينا

وأنّا المانعون لما أردنا ... وأنَّا النازلون بحيث شينا

وأنّا التاركون إذا سخطنا ... وأنَّا الآخذون إذا رضينا

وأنّا العاصمون إذا أطِعنا ... وأنَّا العازمون إذا عصينا

ونشرب إن وردنا الماء صفوًا ... ويشرب غيرنا كدرًا وطينا

إذا ما الملك سام الناس خسفًا ... أبينا أن نقر الذل فينا

ملأنا البر حتى ضاق عنَّا ... وماء البحر نملؤه سفينا

إذا بلغ الفطامَ لنا صبيٌّ ... تخرُّ له الجبابر ساجدينا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت