فهرس الكتاب

الصفحة 2331 من 23694

نعود للجاهلية القديمة الأولى، والجاهلية القريبة الثانية، فنشاهد أن طبيعة العرب المشتركة، وحياتهم القبلية، ولغتهم الواحدة تحتم هذه الوحدة التي وجدت بوجودهم أصلًا، فلم تفرقهم الأحداث والأهواء والعصبيات القبلية، وإنما كانت توحدهم وتجمع شتاتهم، لأنهم كانوا أباة يأنفون أن يتسلط عليهم أمير مستبد أو ملك جبار، تلك هي جبلتهم التي فطروا عليها.

ولا شك أن قصة أبي قابوس النعمان بن المنذر خير دليل على ما نحن بصدده، فلقد عادى ملك الفرس، وأبى أن يزوج بناته من الأمراء من أبناء كسرى، وفضل أن يحبس، ويهان، ويعذب، ويقتل، ويرمى به تحت أرجل الفيلة، ولم يقبل ما عُرض عليه.

والواضح أن القضية ليست، كما يبدو لنا أول وهلة، قضية زواج ومصاهرة، وإنما هي قضية المبدأ، وهو أن العرب تمسكوا بأصولهم وقوميتهم وعروبتهم منذ الجاهلية، وموقف النعمان هذا موقف قومي أصيل سجله له التاريخ العربي.

والمعروف أيضًا أن النعمان قد أودع دروعه هانئ بن مسعود الشيباني من بني بكر وأن كسرى طلب إليه بعد مقتل النعمان أن يعطيه دروع النعمان، ويسلم إليه أهله، لكنه رفض ذلك، وتهيأ لمحاربة الفرس الذين أرادوا إخضاع العرب.

استنفر هانئ العرب جميعًا فاستجابوا له، لأنها معركة قومية عربية، ووزع بينهم دروع النعمان، وهكذا وحدتهم الأحداث فاجتمعت كلمتهم، وأجمعوا على محاربة هذه الدولة الكبرى، يحدوهم في ذلك كله صوت القومية العربية الذي كان يتردد في أجواء رمال هذه الصحارى والكثبان. وقد روي أن أحد زعمائهم رفع عماد خيمته وقال إنه لن يهرب حتى تهرب هذه القبة.

وهكذا اتحد العرب في ساعات الخطب، وخطبة هانئ بن مسعود في هذه المناسبة أشهر من أن نذكرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت