إن هذه الحضارة تحتوي شواهد وآثار كانت قد وفدت مع السلطة المحتلة أو الحاكمة، وقد أدى هذا الاحتواء إلى تطعيم الفنون والعمارات المستوردة بالشخصية القومية، نرى ذلك واضحًا في الحضر (العراق) وتدمر (سورية) وفيلكا (الكويت) وفي معابد دندرة وفيلة (مصر) حيث ظهر التأثير الهلنستي والروماني بقوة السلطة مكونًا تشكلًا كاذبًا، ولكنه لم يلبث أن أخذ طابع الشخصية المحلية التي تميزت عن مفهومه الكلاسيكي المعروف.
خامسًا-وحدة الإسلام:
لقد أعطت هذه الحضارة العريقة خصائصها إلى الحضارة العربية الإسلامية التي استطاعت في فترة وجيزة جدًا أن تصل إلى أعلى عهود الازدهار وإلى أن تكون شخصية جديدة تأخذ مبادئها من خصائص الأمة العربية، ومن معاني الدين الإسلامي ثم تشع على أكبر رقعة تمتد من الغانج إلى الأطلسي، تدين بدين واحد وتنتسب إلى مفاهيم فنية واحدة، وتتغذى من مصدر قومي عربي، فلقد وصل الفن الإسلامي إلى أسمى آياته في بلاد فارس وبلاد الأندلس، حاملًا معه هوية الأمة التي رفعت لواء الإسلام ونشرته بلغتها وخطوطها التي ترسخت في كل مكان.
سادسًا-وحدة الأرض:
إن هذا التراث الحضاري الذي تكشف عنه الآثار قد نشأ على أرض محددة تمتد من الرافدين إلى النيل، وهو إذ تجلى بشخصيتين متميزتين، الشخصية الرافدية -والشخصية المصرية القديمة، فإنما يرجع ذلك لاختلاف الظروف الجغرافية والطبيعية فحيث توجد مقالع الغرانيت وتزدهر السهول بخير النيل العظيم، يعتمد سكان الرافدين على الطين لفقدان الحجر ويتعرضون إلى الطوفان الساحق كل عام. ولقد كان لهذه الظواهر أثرها على العقيدة، فالناس في العراق القديم يراقبون السماء ويستجلون الأنواء ويسبحون بحمد الكواكب التي تكشف لهم أسرار الغيب، أما الناس في مصر فيتأملون النيل الذي يغمرهم بخيرات ثابتة فيرون فيه حبات دموع إيزيس باكية على زوجها إزريس.