فهرس الكتاب

الصفحة 23067 من 23694

وفي النص الثاني يبني الشاعر نسقه اللغوي المكرر من متضايفين أولهما صفة لموصوف خارج النسق تليهما صفة للمضاف إليه, فكأنه يبنيه على تراكم الصفات أو حشدها. ويكرر في هذا النص ما فعله في النص السابق, فما يلي النسق من البيت يقع في سياق النسق ويغذي دلالته, ويشذ عن ذلك البيت الثالث. والنص ـ في حقيقته ـ احتفاء وقور بجمال طبيعة"دمر" [1] , ولعل هذا النسق اللغوي الذي تتراص فيه الصفات دون أن تجور واحدة على أختها يكشف عن جانب من هذا الوقار, فالشاعر لا يعيد ترتيب عناصر الطبيعة, ولا يعبث بها, بل يصورها على ترتيب وقوعها في نفسه, ويعطي كل مظهر من مظاهر جمالها حقه, وهل أبلغ دلالة على الوقار وعدالة القسمة من استخدام نسق لغوي واحد متبوع بوصف مفرد أو جملة واصفة لكل مظهر؟! والنص ـ بعدئذ ـ جملة كبرى واحدة تقوم فيها كلمة"ذات"المتكررة بدون الربط بين وحداتها الصغرى, فتربط هذه المظاهر كلها (الرياض والمياه والجداول والنسيم) برباط وثيق, وتردها جميعًا بالطريقة نفسها إلى مرجعها, أو بعبارة مجازية إلى حضن أمها,"دمر". وقد كان خليقًا بهذا النص بنسقه اللغوي المتكرر, وببنائه شبه المحكم, وبمعجمه اللغوي, أن ينتج دلالة صافية مشبعة بالحبور النقي لولا أن الشاعر كسر سياق النص, وانحراف به إلى سياق ديني (سبحانه من خالق ومصور) , فخلخلت هذه الوحدة الغريبة عن السياق طيف الدلالة وشعثته, وذهبت ببعض صفائه وببعض قدرته على إشباع الإحساس بالجمال. وكان الشاعر قد رشح لهذا الانحراف ترشيحًا مضمرًا في صورة ماء نهر الكوثر.

(1) دمر: ضاحية من ضواحي مدينة دمشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت