ولكن ذات الأمير عبد القادر تختلف عن"الذات العذرية ـ وإن جمعتهما قمسات كثيرة مشتركة ـ في اعتصامها بنفسها وتأبيها على التبدد,وفي ملمح"العرفان"ولفظ"لعشق" (وفي قربنا عشق..) , و (ويزداد وجدي كلما زدت عرفانا) , وفي هيامها بنفسها وعشقها لها, وفي التوحد بين العاشق والمعشوق, بل بين الذوات والمعاني (المحب والمحبوب والحب) , وفي تساوي السر والعلن:"
ومن عجب ما همت إلا بمهجتي ... ولا عشقت نفسي سواها وما كانا
أنا الحب والمحبوب والحب جملة ... أنا العاشق المعشوق سرًا وإعلانا
نحن إذًا أمام ذات"متصوفة"لا ذات"عذريّة", ذات تستعير تقاليد الشعر العذري وملامحه ورموزه, وتعيد توظيفها, فتلج بها مجالات وظيفية جديدة. وهكذا تغدو ألفاظ كالشوق والحب والعشق والقرب والبعد رموزًا صوفية ترمز إلى تجربة الوجد الصوفي, وتغدو ظاهرة الظمأ رمزًا صوفيًا, وقل مثل ذلك في أسماء المواطن (نجد وروض الرقمتين ونعمان) , وتظهر"وحدة الوجود"جلية في الأبيات الأخيرة من القصيدة, وينتهي منها إلى أسماعنا صوت"الحلاج"ما في الجبة غير الله"وإذا ليس غريبًا ـ تأسيسًا على ما نحن فيه ـ أن تكون ذات الشاعر موحدة/ موزعة معًا في آن على نحو ما لاحظنا في حديثنا عن التكرار والضمائر في الأبيات التي اجترأناها من هذه القصيدة, وأن تكون صلة تلك الأبيات ببقية القصيدة صلة رحم واشجة."
والنمط الثاني من أنماط التكرار على مستوى الإيقاع والتركيب هو"تكرار نسق لغوي"ويستفيض هذا النمط كسابقه في شعر الأمير عبد القادر:
* والضاربون ببيض الهند مرهفة ... تخالها في ظلام الحرب نيرانا
والطاعنون بسمر الخط عالية ... إذا العدو رآها شرعت بانا
والمصطلون بنار الحرب شاعلة ... مطلوبهم منك يا ذا الفضل رضوانا [1]
والراكبون عتاق الخيل ضامرة ... تخالها في مجال الحرب عقبانا
(1) كان حقه كلمة"رضوان"أن تكون مرفوعة, وفي ديوان الشاعر عدد غير قليل من هذه المخالفات النحوية.