بيد أن الشاعر ـ على الرغم من ذلك كله ـ يظل معتصمًا بذاته التي تكاد تتبدد, ويظهر هذا الاعتصام جليًا بحركة الضمائر ـ والضمائر عصب حي في الشعر ـ فإذا هو يحرص على ضمير المتكلم في الحديث عن نفسه لا يفارقه, ولا يسمح لضمير الخطاب أو الغياب أن ينوب أحدهما أو كلاهما عن ضمير المتكلم, فينكشف بذلك تشعث الذات وتبددها!! فأية ذات هذه الذات التي تبدو عصية على التبدد والتلاشي وهي ترى أبعاضها مفرقة في كل صوب؟! إن الذات في الشعر العذري ذات منهوكة يكاد يقتلها الظمأ وامتناع الري, ويكاد يمزقها التوزع بين الإقدام والإحجام, ويكاد يتلفها المجتمع بحصاره الصارم فتحاول الفرار منه والاغتراب في مجتمع لا إنساني, ويقترن إحساسها باللوعة واليأس والحرمان والفقد والغربة بحنين آسر عذب إلى البادية, حيث مدارج الطفولة وملاعب الصبا, وما أكثر ما يقترن الحب بالموت في سياق حديث هذه الذات عن نفسها. وكثير من هذه العناصر العذرية وغيرها مبثوث في أرجاء هذه القصيدة, بل إن الشاعر يحوم حول أبيات لـ"عبد الله بن الدمينة"ـ وهو يسلك في العذريين عادة ـ في"تناص"شديد الوضوح يحمل معه السياق العذري إلى القصيدة [1] .
(1) أبيات ابن الدمينة:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل, وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
علمًا أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود
وأبيات الأمير عبد القادر:
وإن قلتُ يومًا: قد تدانت ديارنا ... لأسلو عنهم زادني القرب أشجانا
فما القرب لي شافٍ ولا البعد نافع ... وفي قربنا عشق دعاني هيمانا
فيزداد شوقي كلما زادت قربه ... ويزداد وجدي كلما زدت عرفانا