إن أول ما يلفت النظر في تكرار النداء هو المنادى, فالشاعر يشخص أبعاضًا من ذاته وينادي كلا منها على حدة, ويناجيه, ويصف حاله البائسة في توجع قانط, واستسلام يخالطه شجن عميق. وهذا يعني أننا أمام ضرب مخصوص من النداء يفيض منه معنى الندب والاستغاثة, فمن يندب؟ وبمن يستغيث؟"فيا قلبي المجروح....","ويا كبدي ذوبي أسى...""ويا ناظري لازالت بالدمع...". إنه يندب أبعاض ذاته, فهل نستغرب ـ والحال هذه ـ أن يسترسل في نجواه مكررًا هذا الضرب من النداء تكرارًا متلاحقًا يقوي إحساسنا بحالته النفسية, ويكشف عن بلبلته واضطرابه, وعن كثافة المادة العاطفية التي يرزح تحت وطأتها حتى لتكاد النفس تنوء بحملها؟ ويؤازر هذه النجوى القائمة على التشخيص عنصر بنائي قادر على التعبير عن المشاعر الغامضة المختلطة, وليس هذا العنصر سوى الألفاظ العاطفية الانفعالية ذات القدرة العالية على الإيحاء بهذه المشاعر بمالها من رصيد تاريخي في الوجدان العربي (القلب, الجرح, اللقا, البعد, الوله, الكبد, الذوبان, الأسى, الحرقه, الدموع) . ويأتي التكرار الثاني (أسائل) حاملًا في سياقه معاني الضياع والضلال والفقد والجنون والوله, فيكمل دلالات التكرار السابق ويعمقها في النفس.