فهرس الكتاب

الصفحة 23058 من 23694

وفي النص الثالث يسترسل الشاعر في مناجاة فؤاده استرسالًا يلفت النظر. وحقًا كان الشاعر العربي القديم يلتفت إلى قلبه ويناجيه أحيانًا. ولكنه لم يكن يستغرق في ذلك كل هذا الاستغراق الذي نراه في نص الأمير عبد القادر. بل كان يكتفي باللمحة الدالة والإشارة الخاطفة, فإذا استرسل لم يزد على البيتين أو الثلاثة الأبيات. وربما وجدنا في النص القديم مفارقة بين موقف صاحب النص وقلبه, وسمعنا أكثر من صوت, ولسنا نجد مثل ذلك في نص الأمير عبد القادر, فهو نص يهيمن عليه صوت واحد متفرد, فينأى به عن الحوار أو البناء الدرامي, ويمنحه طابعًا غنائيًا صرفًا, ويتحول به إلى بوح عميق ممتد تتجلى فيه صورة العالم من حوله كما هي في وجدان الشاعر لا كما هي في الواقع. ولهذا السبب تخرج صيغة"الأمر"المهيمنة في النص من غرضها الأصلي إلى غرض تعبيري صرف, فالشاعر ـ في حقيقة الأمر ـ لا يأمر فؤاده ـ بل يعبر عما يحسه حقيقة, ويستعين بهذا الفؤاد في هذا التعبير, أو قل ـ بعبارة أدق ـ يتخذه وسيلة للتعبير عن عالمه الداخلي الموار بالغبطة العميقة والرضا المستطاب. وتظهر هذه الغبطة وذلك الرضا في مضامين صيغة الأمر"السكينة, الاطمئنان, طيب الحال وطيب المآل, العيش الهانىء, التيه والدلال, الطرب, الغناء, الرقص, الاختيال, الأمن, البوح بما يشاء كيف يشاء, اللهو والنعيم أو الخصب والسعة (ارتع) , البشرى". ويعزز السياق الذي ترد فيه أفعال الأمر هذه الغبطة وذلك الرضا (اتصال حبله بحبال حزب الله, تحقيق المرام, حمام مكة الآمن الذي يحرم صيده حرمة مطلقة, إحساسه بالغبطة تحت لواء المجد, أمنه من كل مكروه وظلم, حلوله في مقام التهاني, القرب من أمير المؤمنين"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت