فهرس الكتاب

الصفحة 23057 من 23694

سهران ذو حزن تطاول ليله ... فمتى أرى ليلي بوصلي ينجلي؟

ماذا يضر أحبتي لو أرسلوا ... طيف المنام يزورني بتمثل

كل الذي ألقاه في جنب الهوى ... سهل سوى بين الحبيب الأفضل

أدي الأمانة يا جنوب وغايتي ... في جمع شملي يا نسيم الشمأل

واهدي إلى من بالرياض حديثهم ... أزكى وأحلى من عبير قرنفل

تفديهم نفسي وتفدي أرضهم ... أزكى المنازل. يا لها من منزل [1]

من يصدق أن هذه المناجاة الشجية العذبة تنقلب إلى هذه الضوضاء التي تصم الآذان؟ ومن يصدق أن هؤلاء الذين يتحدث عنهم في هذا المقطع هم هؤلاء أنفسهم الذين كان يتحدث عنهم في المقطع الذي سيطرت عليه صيغة التكثير؟ باختصار نحن أمام تحول أسلوبي يكشف عن تحول في زاوية الرؤية, فهو حين يتحدث عن علاقته بهم يجنح إلى الأسلوب العاطفي, وهو حين يتحدث عن علاقتهم بالآخر يتحول إلى أسلوب الفخر المدوي. ولا يلبث سياق"التكثير"الإنشائي هذا السياق, ويتحول الأسلوب مرة أخرى للتعبير عن رؤية دينية عميقة تتجلى في الابتهال والضراعة والتوسل والاستغاثة.

ويهيمن على هذا القسم من النص نمط آخر من التكرار هو نمط المزاوجة بين صيغتين هما: صيغة النداء, وصيغة الأمر, وكلتاهما تخرج إلى التعبير عن هذه الروح الدينية العميقة, وتتكرر كلمة"الرب"ومرادفاتها تكرارًا يشيع في النفس إحساسًا بأنها قد غادرت عالم الشعر, وصارت في رحاب العتبات المقدسة على نحو ما يظهر في هذا المقطع:

يا رب, يا رب البرايا زدهم ... صبرًا ونصرًا دائما بتكمل

وافتح لهم مولاي فتحا بينا ... واغفر وسامح يا إلهي عجل

يا رب يا مولاي وابقهم قذى ... في عين من هو كافر بالمرسل

وتجاوزن مولاي عن هفواتهم ... والطف بهم في كل أمر منزل

يا رب لا تترك وضيعًا فيهم ... يا رب واشملهم بخير تشمل [2]

لقد نفض يديه كلتيهما من نضار الشعر, وضم بهما جميعًا إلى صدره يواقيت الدعاء!!

(1) الديوان, ص92.

(2) الديوان, ص92.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت