فالأسلوب ـ إذًا ـ هو الذي يجعل الشعر شعرًا, وعليه تنعقد آمال الشعراء وأحلامهم. وهو التشكيل الفني للغة, أي هو بنية مكوّنه من عناصر شتى تتآزر متفاعلة لتحقق شكل المعنى. لنقل ـ بعبارة أوضح ـ إنها بنية عضوية.
وهذا يعني أن أي تغيير في أي عنصر من عناصرها سيحدث تغييرًا في بقية العناصر من جهة, وتغييرًا في شكل المعنى من جهة أخرى. فإذا نظرنا في وحدات الأسلوب (التراكيب) وجدنا أن ما قلناه في الأسلوب يصح قوله في التراكيب من حيث كون كلّ منها بنية صغرى تتآزر عناصرها متفاعلة, ومن حيث التغير الذي يصيب عناصرها البنائية جميعًا إذا تغير أي عنصر من هذه العناصر. ولقد تحدث البنيويون ـ على اختلاف اتجاهاتهم ـ طويلًا عن محوري التعاقب والاستبدال (أو: الانتخاب والتركيب, الموقعية والسياق, الآني والزماني...) [1] في دلالة واضحة على عضوية البنية الصغرى (التركيب) , كما تحدثت عن هذه البنية حديثًا يثير الإعجاب البلاغة العربية القديمة, ولعلّ نظرة متأنية في"دلائل الإعجاز"لعبد القاهر الجرجاني تكشف عن جلال هذه البلاغة وعن عظمة هذا الناقد الكبير. وقد دفعت هذه البلاغة مثقفًا وناقدًا كبيرًا كالدكتور شكري عياد ـ طيّب الله ثراه ـ إلى قدر واضح من الاستخفاف بالجهود البنيوية في هذا المجال [2] ولست أريد أن أعقد مقارنة بين البلاغة والبنيوية, أو بين البلاغة وعلم الأسلوب, فليس هذا وقت المقارنة, ولا السياق سياقها, ولكنني أريد أن أحترز لما قد يراه القارىء في الصحف القادمة من تعويل على البلاغة والبنيوية وعلم الأسلوب جميعًا, فليس هذا الجمع جمع حاطب ليل, ولكنه جمع بصير وقت ارتفاع النهار.
(1) المرايا المحدبة, عبد العزيز حمودة, ص258, وانظر لوتمان, المرجع السابقص38, ياكبسون, ص33 قضايا الشعرية.
(2) موقف من البنيوية, فصول, ص99, نقلًا عن المرايا المحدبة ص264.