وقد انبثقت من هذه النظرة إلى"مفهوم الشعر"نظرة جديدة إلى"نقده", فغدت دراسة الشعر من منظور لغوي منهجًا نقديًا بارزًا يشيّد علميته على دعامتين أولاهما: ملاءمته لتفسير المادة التي يدرسها ـ وهي شرط لا غنى عنه لقيام أي علم [1] , وتنجم هذه الملاءمة من انبثاق المنهج والمادة من مفهوم لغوي معاصر. وثانيتهما أدوات نقدية مرهفة ذات كفاية عالية. بيد أننا ينبغي أن نقيّد القول قليلًا, وألاّ نسرف في الظن فنتوهّم أن كل شيء قد أصبح محكومًا فكأنما هو في قبضة اليد, وأن الطريق إلى جوهر الشعر قد غدَت قاصدة موطّأة الأكناف. إن بعض هذا الظن يكفي, فليس يملك المنهج ـ مهما تكن كفايته ـ أن يتغلغل في شعاب الشعر المرجانية, وأن يصل إلى جوهره إذا لم يكن الناقد نفسه خبيرًا مدربًا وذواقة كأنما نبعة الشعر بين جوانحه. وإلاّ فما أيسر أن ينقلب المنهج إلى منهج رجيم يفتك بالشعر, ويذبحه من الوريد إلى الوريد.
ويقتضى الحديث عن"اللغة في شعر شاعر ما"أن نحدّد ـ قبل الشروع في هذا الحديث ـ المقصود بـ"اللغة في الشعر"فما المقصود بها؟
إن اللغة ـ كما هو معروف ـ نظام متكامل متعارف عليه من الرموز التي يتفاهم بها الناس. ومن الواضح أننا لا نقصد هذا النظام بل نقصد أمرًا يتجاوزه, نقصد القول الشعري, أي صورة اللغة المتحققة في شعر هذا الشاعر, وهي صورة تتميز عن غيرها من الصور بسمات كثيرة كالمعجم اللغوي والطريقة الخاصة في بناء الجمل والربط بينها وسوى ذلك كثير, وهي السمات التي تكوّن"الأسلوب". وإذًا نقصد بـ"اللغة في شعر فلان"أسلوبه الشعري, وهذا الأسلوب هو الذي يجسّد التجربة الشعرية بالكلمات التي تستخدم استخدامًا كيفيًا خاصًا, وهو الذي يمنح القصيدة طاقاتها الثَّرة.
وبعبارة أوضح إن لغة الشعر هي مكوّنات القصيدة من الألفاظ والتراكيب والخيال والموسيقا والموقف الإنساني.
(1) مقدمة في نظرية الأدب, عبد المنعم ـ تليمة, ص أ.