ومن حسن حظ الأمة العربية أنها تحتفظ بتراث حضاري كشفت عنه الآثار المعروفة أقل ما يقال فيه أنه يمتاز عن غيره بالأمور التالية:
أولًا-الأصالة:
تمتاز الحضارة العربية بارتباطها بأمة أصيلة مازالت قائمة حتى اليوم ومنذ بداية التاريخ، محتفظة بخصائصها وتقاليدها وعقائدها ولغتها وبملامحها العرقية.
فلقد سكن بلاد الرافدين وسورية شعوب عربية أطلق عليها اسم الأكاديين والبابليين والعموريين والآشوريين، ثم الآراميين والمناذرة والغساسنة والعرب المسلمين. وجميعهم من أرومة واحدة لا مجال للطعن فيها، وهم يتكلمون لغات إذا لم تكن واحدة، فهي أشبه باللهجات، فيها من الكلمات الموحدة أكثر ما بينها من الكلمات المختلفة.
وهذه اللغات أو اللهجات، إذا كتبت بالخط المسماري أولًا، فإننا نرى تطورها عبر الكتابة الأوغاريتية إلى الكتابة الآرامية، والنبطية المصدر الأساسي لكتابتنا العربية القائمة حتى الآن، وقد بلغت من العمر حوالي ألفي عام على الأقل. وإذا دققنا في أسلوب العمارة والفن، فإننا نرى أن تقاليد الفن الرافدي استمرت قائمة حتى يومنا هذا مؤثرة أيضًا في الفنون الساسانية والبيزنطية ذاتها، التي كثيرًا ما تردد تأثيرها على الفن الإسلامي، دون أن يخطر في ذهننا الحديث عن مصادرها العربية الرافدية القديمة.
أما العقيدة فلا بد من القول أن العبادة السماوية كانت قائمة منذ عهد الأكاديين في الألف الثالث، وأن إبراهيم الخليل الذي ولد في أوركان قد نقلها إلى البلاد المقدسة وأصبحت أساسًا للعبادة التوحيدية في الديانات كلها.
ثانيًا-القدم:
لقد كانت آثار الرافدين ومصر فاتحة التاريخ، وأن الحضارة التي وصلت إليها هذه المنطقة العربية كانت من الضخامة والتقدم حتى أننا نعجز اليوم عن مضاهاتها في غناها وتنوعها والتفنن فيها.