فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 23694

وهكذا فإن الحضارة العربية قد خضعت لفكرة المصير وليس لمبدأ العلية. وليست فكرة المصير بعيدة عن مفهوم الحضارة في العصر الحديث، بل هي تأخذ شكلًا أكثر وضوحًا، ذلك أن المصير بتفسيره الحديث هو وحدة الفرد مع الكون. أي أن المصير ليس الكون كما هو، بل هو كما يمكن أن يكون بفعل الإنسان، لذلك فإن المصير هو عمل إبداعي مستمر، وبهذا المعنى يمكن أن نفسر الحضارات والحضارة العربية بصورة خاصة والتي قامت على موقف الإنسان من الكون وما وراء الكون وعلى التعامل مع هذا الكون عن طريق الحدس والروح وليس عن طريق المنطق الرياضي والقوانين العلية، إنه يتعامل مع الكون على أساس أن الفرد هو جوهر الكون لأن الفرد هو الزمان، وكل ما عداه هو المكان أو ما يقرب من المكان، حتى الحيوان فإنه يخرج عن معنى الزمان لأنه لا يدرك دوره في الحياة. ومع ذلك فإن الإنسان يخشى ويهاب الزمان الحقيقي، والزمان بذاته، لأنه العلامة الوحيدة لتجاوز المقدرة البشرية. ولذلك فإن الإنسان يسعى وراء المثل الأعلى المتجسد بمفهوم الرب لكي يتخطى تحدي الزمان. ونستطيع القول أن الحضارة العربية منذ نشوئها في بلاد الرافدين وحتى اليوم، إنما ترتبط بمثل أعلى، أو بمعنى آخر، هي من صنع الإنسان الذي يسعى وراء المثل الأعلى الذي يتصوره من خلاله الإله في السماء، والذي يسمو على كل قوة واردة. وهو فرق الزمان أو المكان وعلى ذلك فإن المصير ذاته مرتبط بالله أي بالمثل الأعلى، والإنسان في الحضارة العربية ما هو إلا القوة التي تنفذ إرادة الله، ولأن الله قوة سرمدية خالدة غير قابلة للفناء والضعف، فإننا نرى الحضارة العربية تتسم بصفة الاستمرار والمقدرة الخارقة على البقاء، على الرغم من جميع ظروف التخلف والجمود، ويكفي أن تكون هذه الحضارة، أقدم حضارة وجدت على الأرض، وأطول الحضارات عمرًا، وأقدرها على التغلب على عوامل الانحطاط والاندثار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت