ويتحصل من ذلك"قصور أهل البادية عن سكنى المصر الكثير العمران"كما جاء في عنوان فصل قصير من المقدمة. وذلك"أن المصر الكثير العمران يكثر ترفه كما قدمناه وتكثر حاجات ساكنه من أجل الترف وتعتاد تلك الحاجات لما يدعو إليها فتنقلب ضرورات، وتصير فيه الأعمال كلها مع ذلك عزيزة والمرافق غالية بازدحام الأغراض عليها من أجل الترف وبالمغارم السلطانية التي توضع على الأسواق والبياعات وتعتبر في قيم المبيعات ويعظم فيها الغلاء في المرافق والأقوات والأعمال، فتكثر لذلك نفقات ساكنة كثرة بالغة على نسبة عمرانه ويعظم خرجه فيحتاج حينئذ إلى المال الكثير للنفقة على نفسه وعياله في ضرورات عيشهم وسائر مؤنهم".
لقد ذكرنا على الأغلب صفات بعض البلاد في الأحوال المعتادة الطبيعية ولدى ازدهار الموارد الاقتصادية وقد تُتلافى السنون العجاف حين تكون البلاد غنية تسود فيها العدالة ويمتنع الاحتكار كما رأينا غرضًا في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز. ولكن صروف الزمان والقحط قد تكون شديدة جدًا بحيث تجتاح البلاد المجاعات الفظيعة.
لما مات الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي قام أولاده بإعلان تفردهم بالحكم في أجزاء المملكة. ففي دمشق كان الأفضل وفي القاهرة كان العزيز وفي حلب كان الظاهر. كل منهم قام ملكًا على عرش الحكم.
واستطاع الملك العادل سيف الدين أخو صلاح الدين التحكم على أفراد الأسرة الأيوبية واحدًا بعد واحد، فجعل مصر والقسم الأعظم من سورية في قبضته وبقي المسيطر على أجزاء الدولة الأيوبية حتى وفاته سنة 625هـ-1218م.