وفي زمنه نقصت زيادة النيل نقصانًا ذريعًا فقد بلغت زيادته سنة ست وتسعين وخمسمائة (1199م) في مطلع سيطرته على مصر اثنتي عشرة ذراعًا وإحدى وعشرين إصبعًا مع أن الحد المعتبر لفائدة الزيادة ألا ينقص عن ست عشرة ذراعًا وكان مثل ذلك النقص نادرًا جدًا فظهرت آثاره في حوادث سنة سبع وتسعين وخمسمائة وصادف أن زار مصر في تلك الآونة الطبيب المشهور موفق الدين عبد اللطيف البغدادي المعروف بابن اللباد فكتب"كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر" (10) يصف فيه تلك الحوادث التي شاهدها فيقول:"ودخلت سنة سبع مفترسة أسباب الحياة وقد يئس الناس من زيادة النيل وارتفعت الأسعار وأقحطت البلاد وأُشعِر أهلها البلاء وهرجوا من خوف الجوع وانضوى أهل السواد والريف إلى أمهات البلاد وانجلى كثير منهم إلى الشام والمغرب والحجاز واليمن وتفرقوا في البلاد أيادي سبا ومزقوا كل ممزق ودخل إلى القاهرة ومصر منهم خلق عظيم واشتد بهم الجوع ووقع فيهم الموت". ولم يقف الأمر عند القحط هذا، بل حل وباء شديد. يقول ابن اللباد:"وعند نزول الشمس الحمل (أي في بداية الربيع) وبِئَ الهواء ووقع المرض والموتان واشتد بالفقراء الجوع حتى أكلوا الميتات والجيف والكلاب والبعر والروث ثم تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني آدم. فكثيرًا ما يعثر عليهم ومعهم صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك والآكل". ويورد مؤلف الكتاب بعض المشاهد الغريبة التي شاهدها فيقول:"ورأيت صغيرًا مشويًا في قفة وقد أحضر إلى دار الوالي ومعه رجل وامرأة زعم الناس أنهما أبواه فأمر بإحراقهما."