كتابه"الموشى"تحدث فيه عن دماثتهم وحياتهم الراقية وآدابهم في الحديث والطعام والشراب واللباس ورقة الطبع والتلطف في كل الأمور والمداراة والتأني والرفق واجتناب القبيح والسمو إلى معالي الأمور. وكل ذلك يدل على الرفاهية المنتشرة إذ ذاك. وقد يوحي بعض التعابير بما لا تبين عنه الفقر الطوال. كانوا يقولون عن بغداد كما جاء في"معجم البلدان":"بلد لا يشبه البلدان ولا كان مثله في قديم الأزمان". وقد قال يونس بن عبد الأعلى:"قال لي محمد بن إدريس الشافعي أبا يونس دخلت بغداد؟ فقلت: لا فقال: أبا يونس ما رأيت الدنيا ولا الناس".
هذا كله إلى جانب المساجد الحافلة وحلقات العلم العامرة ولكن الشعراء كانوا أكثر تغنيًا بالصفات الدنيوية. يقول عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير (182-239هـ 798-853م) يصف حياة بغداد الموارة بالصور الحلوة البديعة وفي أبياته الآتية مشاعر البدوي الذي يدخل العاصمة، وتنسب الأبيات أيضًا لمنصور النمري (ت حول 190هـ- 805م) :
ما مثل بغداد في الدنيا ولا الدين
ما بين قطربل فالكرخ نرجسة ... تندى ومنبت خيري ونسرين
تحيا النفوس برياها إذا نفحت ... وحرّشت بين أوراق الرياحين
سقيًا لتلك القصور الشاهقات وما ... تخفي من البقر الانسية العين (7)
تستن دجلة فيما بينها فترى ... دهم السفين تعالى كالبراذين
مناظر ذات أبواب مفتحة ... أنيقة بزخاريف وتزيين
فيها القصور التي تهوي بأجنحة ... بالزائرين إلى القوم المزورين
من كل حراقة تعلو فقارتها ... قصر من الساج عال ذو أساطين
والعواصم الكبيرة قد تتجهم للوافد أول الأمر بسبب اتساعها واشتباك الحياة فيها. ولكن هذا الوافد لا يلبث بعد حين أن يتعرف مداخلها ومخارجها، ظواهرها وبواطنها فيألفها ويرتاح لها أي ارتياح. قال أبو بكر الخطيب مضمنًا بيتًا كان متداولًا: ... ومغنى نزهة المتنزهينا
على بغداد معدِنُ كل طيب
سلام كلما جرحت بلحظ ... عيون المشتهين المشتهينا
"دخلنا كارهين لها فلما ... ألفناها خرجنا مكرهينا"