واسترسل ابن الرومي في المقدّمة، يُغرِيه: قُدرتُه الفائقةُ على الوَصف، ومذهَبُه في التّفصيل والاستِغراق، ثم انتقلَ إلى الغَزَل انتقالًا لطيفًا، وأطال حتى وصل في البيت الثالث والثلاثين إلى مدح أبي الصّقر حتّى البيت الحادي والسَّبعين
وتنبّه معاصرو الشّاعر إلى طول المُقَدّمة، ووقوف الشّاعر فيها عند ألوانٍ كثيرةٍ من المأكول والمشروب والمَنْظُور والمَشْمُوم من جَنى الطّبيعة الجميلة في أبياتٍ رائقةٍ حَسنة. على أنَ بعضهم استغرب ذلك حتّى قال عُبيد الله بن عَبد الله بن طاهر وكان من الرؤّساء آنذاك في محضرٍ من بعض جُلسَائِه: إنّ هذه القصيدة: (دار البطّيخ) . ودار البِطّيخ: السُّوقُ الكبيرة للفَواكِه والخَضْرَاوات!.. [1]
ولمّا اطّلع أَبُو الحسَن الأَخفش (الصَّغير من بَيْن الأَخافِش) [2] على القصيدة قال: إذًا يكونُ الوزيرُ أبو الصَّقر ملازمًا لدار البِطّيخ [3] . ونُقِلَتْ كلمةُ الأخفش إلى ابن الرُّومي فهَجاه بقصيدة؛ قال الثّعالبي مُعَلّقًا على هذا الجانب من الخَبر:"ثم عاود الأخفش رعونته، فمزّقَ ابن الرومي عرضه بالهجاء في عدّة قصائد" [4] .
واشتهرت أَهاجي ابن الرُّومي في الأَخْفَش، وتكرّر نَقْد الأخفش لشِعر ابن الرومي على غير ما يُرْضي الشاعر، ولا يَسُوغ عنده، واسترسل أبو الحسن غير عابئٍ بِغَضبات الشاعر المُتَوالية..
(1) الخبر في الموشح للمرزباني: 545، وثمار القلوب للثعالبي: 519.
(2) جمعها ابن الرّومي جمع مذكر سالمًا، وسيردُ شعره في أثناء البحث.
(3) لم أر أحدًا: ذكر صلةً بين قول ابن طاهر وقول الأخفش في صفة القصيدة بدار البطّيخ. على أنّ عبيد الله كان من أهل الأدب والشعر والسّياسة وله مؤلّفات (توفي سنة ثلاث مئة عن سبع وسبعين سنة) انظر سير أعلام النّبلاء 14: 62، ومصادر ترجمته ثمة.
(4) ثمار القلوب في المضاف والمنسبو: 520.