وبعد هذه الإرهاصة نعود إلى كتاب الأمير الشهابي في المصطلح العلمي الذي أنجزه وطبعه سنة 1955، وأعيد طبعه سنة 1965، وبين يديّ نسخة صورها المجمع عن الطبعة الثانية سنة 1988، وعناية الأمير بالمصطلحات فاقت الرغبة إلى حد العشق، قال:"نشرت حتى أول سنة 1966 في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، ومجلة مجمع اللغة العربية بالقاهرة 66 بحثًا في اللغة والمصطلحات والعلوم المختلفة [1] ". فقد أضاف إلى اللغة العربية مئات الألفاظ والمصطلحات، وكان يتحرى أصلح الألفاظ في المعجمات العربية، وشارك بتحقيق الجم الغفير من المصطلحات العلمية وكان من أوسع العلماء وأعمقهم إطلاعًا على طرائق وضع المصطلحات العربية.
ووَضعُ المصطلحات العلمية والتنقيب عنها من أشق الأمور وادعاها إلى الجلد والصبر والأناة والتخصص الواسع بعلم واحد، وحتى بفرعٍ من علمٍ واحد، ولكن الأمير يؤمن بأن العبقرية كدح طويل.
فالذي يقلب الصفحات الأولى من كتابه ذاك يجد المؤلِّف يبدأ بتعريف واضح للمصطلح قائلًا:"والمصطلح العلمي هو لفظ اتفق العلماء على اتخاذه للتعبير عن معنىً من المعاني العلمية، والاصطلاح يجعل للألفاظ مدلولات جديدة غير مدلولاتها اللغوية أو الأصلية، والمصطلحات لا توضع ارتجالًا، ولابد في كل مصطلح من وجود مناسبة أو مشاركة أو مشابهة، كبيرة كانت أو صغيرة، بين مدلوله اللغوي ومدلوله الاصطلاحي." [2]
وقد يتساءل المرء عن المنهج الذي اعتمده الأمير في وضع مصطلحاته العلمية وهو باختصار ـ المنهج الذي سار عليه قدماء النقلة من علماء السريان الذين نقلوا علوم اليونان وفارس والهند إلى لسانهم قبل الإسلام وفي صدره، ثم نقلوها إلى العربية إما من السريانية أو اليونانية. ومجمل هذا المنهج في النقاط التي رصدها كبار العلماء المحدثين على النحو التالي:
(1) المصطلحات العلمية في اللغة العربية في القديم والحديث، الشهابي ص 8.
(2) المصدر السابق، ص 6.