لم يقنع بروكلمان، كما يبدو لأول وهلة من هذا السرد لعناصر كتابه، بإعطاء فكرة عامة عن التطور السياسي لهذه البقعة. وإنما لم يدع فرصة تمر دون أن يشير إلى أوجه التطور المختلفة التي حدثت في الإسلام إبان 1300 سنة. وبهذا يتناول التيارات والمذاهب في نطاق الدين وفي الفقه الوثيق الصلة بالدين وفي الأدب والفن، مثلما يشير إلى الصلات بين تلك الظواهر وبين العمليات الاجتماعية الجارية وقتذاك من ناحية، وبينها وبين العوامل السياسية المؤثرة فيها من ناحية أخرى. لقد أولى بروكلمان، في الجزء الأخير من كتابه، عناية خاصة ليقظة الوعي السياسي والثقافي عند الشعوب الإسلامية، ولا سيما العرب، هذه اليقظة التي تتجلى بوضوح في الكفاح الطويل ضد الاستعمار الأوربي، وما صاحبه من نهضة في الإسلام وما يتصل به من حضارة في مختلف أنحاء العالم العربي ويتكرر في ثنايا هذا الكتاب كما يتكرر في المواضع المناظرة من كتاب"تأريخ الأدب العربي"تأييد بروكلمان للأماني السياسية والحضارية للأمة العربية وللشعوب الإسلامية ولجهودها التي داوم على متابعتها. ذلك التأييد الذي أكسبه شهرة وصيتًا في العالم الإسلامي.
وتكمن قيمة هذا الكتاب في وصفه لتأريخ الإسلام وحضارته وصفًا رزينًا موضوعيًا، خاليًا من التعصب والتحامل. وهذه القيمة لا يغض منها اليوم تقدم البحث التأريخي وما يلزم عنه من تعمق النظر في جوانب عدة، ولا ما تلقاه بعض آراء بروكلمان وأحكامه من نقد بسبب تغير وجهة النظر إلى العوامل المحركة في التأريخ.
بعد أن وفينا بروكلمان بعض ما يستحقق نأخذ في الحديث عن يوهان فوك ومؤلفاته المتعلقة بتفهم الإسلام وتأريخه وحضارته.