استنزل عبد الملك بن مروان من قرقيسيا زفر بن الحارث الكلابي وأقعده معه على سريره ورآه ابن ذي الكلاع فبكى فقال له عبد الملك: ما يبكيك؟ فقال: يا أمير المؤمنين وكيف لا أبكي وسيف هذا يقطر من دماء قومي في طاعتهم لك وخلافه عليك ثم هو معك على السرير. وبلغ الأخطل ذلك فدخل على عبد الملك وأنشد شعرًا فقال له عبد الملك: ما أخرج هذا منك يا أبا مالك إلا خطة في رأسك قال: أجل والله يا أمير المؤمنين حين تجلس عدو الله هذا معك على السرير، وهو القائل بالأمس:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى
فضرب عبد الملك صدر زفر برجله فقلبه عن السرير وقال: اذهب الله حزازات تلك الصدور. وقال زفر: ما أيقنت بالموت قط إلا تلك الساعة حين قال الأخطل ما قال. ... أعيت عناء على روح بن زنباع
-نزل عمران بن حطان بن ظبيان المكنى أبا سماك من شعراء الشراة والمقدمين بمذهبهم، بزفر بن الحارث الكلابي بقرقيسيا فجعل شباب بني عامر يتعجبون من صلاته وطولها وانتسب لزفر. فقدم على زفر رجل من أهل الشام قد كان رأى عمران بن حطان بالشام عند روح بن زنباع الجذامي من سمار عبد الملك بن مروان، فصافحه وسلم عليه. فقال زفر للشامي: أتعرفه قال: نعم! هذا شيخ من الأزد. فقال له زفر: أزدي مرة وأوزاعي أخرى؟ إن كنت خائفًا آمناك وإن كنت عائلًا أغنيناك. فقال: إن الله هو المغني وخرج من عنده وهو يقول:
إن التي أصبحت يعني بها زفر
أمسى يسائلني حولا لأخبره ... والناس من بين مخدوع وخداع
حتى إذا انجذمت مني حبائله ... كف السؤال ولم يولع باهلاع
فاكفف كما كف روح أنني رجل ... اما صريح واما نفعة القاع
أما الصلاة فإني غير تاركها ... كل امرئ للذي يعني به ساع
فاكفف لسانك عن هزي ومسألتي ... ماذا تريد إلى شيخ لأوزاع
أكرم بروح بن زنباع وأسرته ... قومًا دعا أوليهم للعلا داع
جاورتهم سنة فيما دعوت به ... عرضي صحيح ونومي غير تهجاع
فاعمل فأنك منعيٌّ بحادثة ... حسب اللبيب بهذا الشيب من ناع